بسم الله السميع العليم من الشيطان الرجيم والصلاة والسلام على اشرف المرسلين وسيد الأولين والآخرين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبة أجمعين .
سوف يتناول هذا البحث إن شاء الله تعالى أنجيل متى او الإنجيل بحسب القديس متى كما يقول النصارى وسوف نعرض ما قاله آباء الكنيسة
والمفسرون للإنجيل وهل هذا كلمة من الله او هل هو وحى الهي وهل متى رسول موحى إليه من الروح القدس وسوف يكون الاستشهاد بأقوال علماء المسيحية وكتبهم
الوحي في المسيحية :
أولا يجب أن نوضح ما هو مفهوم الوحي فى المسيحية حتى يتسنى لنا فهم ما ذكره آباء الكنيسة عن هذا السفر أن الوحي للكتاب المقدس لا يعنى فى المسيحية ان الله قد أوحى بهذا الكلام حرفا إلى الرسول وإنما أوحى بمعنى ومفهوم هذا الكلام والرسول يكتب بأسلوبه و هذا ما ذكره القمص تادرس يعقوب ملطى فى بداية تفسيره للعهد الجديد فى المقدمة العامة عن الأناجيل وتحت عنوان المشكلة الأزلية للأناجيل الثلاثة
(مفهوم الكنيسة المسيحيّة للوحي الإلهي، لنعرف ما هو دور رجل الله الذي أوحي له بالروح القدس ليكتب؟! فقد جاء في الكتاب المقدّس: "كل الكتاب هو موحى به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ، للتقويم والتأديب الذي في البرّ لكي يكون إنسان الله كاملاً متأهّبًا لكل عمل صالح" (2 تي 3: 16-17)؛ "عالمين هذا أولاً أن كل نبوّة الكتاب ليست من تفسير خاص، لأنه لم تأت نبوّة قط بمشيئة إنسان، بل تكلّم أناس الله القدّيسون مسوقين من الروح القدس" (2 بط 1: 20-21). إذن فالكتاب كلّه موحى به من الروح القدس، والكتّاب هم آله الله، أو كما يقول المرتّل: "لساني قلم كاتب ماهر" (مز 45: 1).
كل كاتب أشبه بقلم في يدّ الروح القدس، لكنّه قلم ماهر، لا يكتب إلا ما يمليه الروح دون أن يفقده شخصيّته وإمكانيّاته ومهارته وبيئته. هذا هو العجيب في حب الله، فإنه حتى إذ يقدّم لنا كلمته المكتوبة لا يستخدم الإنسان آلة جامدة يحرّكها آليًا بجمود، إنّما يتعامل معنا خلال "الحب المتبادل" وتقدير الله العجيب لمخلوقه الإنساني. إن كان يسكب علينا حبّه ويهبنا كلمته الإلهيّة الخالدة، لكنّه لا يحتقر حبّنا وفكرنا وثقافتنا ولغتنا. إنه يهب الكلمة ويحفظها ويمنح الكاتب إمكانيّة الكتابة في عصمة من الخطأ دون تجاهل لإنسانيّته. لهذا لا عجب إن حوى الكتاب بعهديه أسفارًا مختلفة بأسلوب مختلف كُتبت خلال ثقافات متباينة امتدّت آلاف السنين، ومع ذلك بقيَ ويبقى الكتاب حيًا، يحمل إلينا الكلمة الإلهيّة )
هذا هو مفهوم الوحى فى المسيحية الوحى بالمعنى والكاتب له الأسلوب وطريقة الكتابة والسرد ولكن على أساس المعنى والفكرة والحدث الموحى بهم من الله عز وجل .
قانونية أنجيل متى :
أن أنجيل متى لم يكن معترف بيه للكنيسة الأولى الا فى وسط القرن الثاني الميلادى وكل ما كان معترف به قبل ذلك ماهو الا رسائل بولس مجمعه وكانت هى المعتبرة ككتاب مقدس ويذكر لنا احد الباحثين المتقدمين لعضوية مدارس الأحد الارثزوكسية ببطريقيه روما نقلا عن كتاب EISAGWH STHN KAINH DIAQHKH
تأليف الأستاذ يوحنا كرافيذوبولوس
IWANNHS KARABDOPOLOS
يقول فى الصفحة السادسة من بحثة عن تاريخ قانون العهد الجديد وبعد سرد اقوال الاباء عن الاسفار وايمانهم بها انه
( قبل اوساط القرن الثاني لم يكن معترفا بالأناجيل على انها كتاب مقدس. فى نصوص الاباء الرسوليين نلاحظ عددا قليلا جدا من اقول الرب تقدم ككتاب مقدس
وبالطبع نجد فيها كلمة (أنجيل) بالمفرد الا أن هذا الاصطلاح لا يدل على الكتاب او الكتب التي يتضمنه ) (1)
وأيضا أذا رجعنا إلى كتاب المدخل الى العهد الجديد للقس الدكتور فهيم عزيز تحت عنوان الشهادة المكتوبة
( أضحى الآن معرفا أن الرسول بولس كان اول من كتب كتابا كاملا فى العهد الجديد وهذا الكتاب عبارة عن رسائله التى أرسلها الى كنيسة من الكنائس التى بشرها وهى كنيسة تسالونيكى . وتوالت بعد ذلك رسائله )(2)
ويقول أيضا تحت عنوان ظهور الكتب القانونية للعهد الجديد 170:100م
( كانت أول مجموعة عرفتها الكنيسة من العهد الجديد هى مجموعة رسائل بولس الرسول . فهي أول ما جمع من كل كتب العهد الجديد ) (3)
ويقول فى أيضا تحت عنوان قانونية أسفار العهد الجديد
( حتى انه فى منتصف القرن الثاني اعتبرت رسائل الرسول بولس مساوية تماما فى قداستها وسلطانها لكتب العهد القديم ( رسالة اكلميندس2:14) ) (4)
هنا سؤال يطرح نفسه لماذا كانت مساوية للعهد القديم ولم يذكر الأناجيل ؟
والإجابة انه لم يكن هناك شيء اسمه الأناجيل والا كان قد ذكر فى الاستشهاد الذى ساقه الدكتور فى كتبه رسالة اكلمندس ويوكد هذا انه لا توجد فى رسائل بولس اى ذكر لأناجيل مكتوبة او كتابات عن السيد المسيح
1Cor / الرسالة الأولى الى كورونثوس إ 11 ع 23
لأنني تسلمت من الرب ما سلمتكم أيضا: إن الرب يسوع في الليلة التي أسلم فيها أخذ خبزا.
فان هذا يدل على انه لم يكن يأخذ من كتاب وهذا يوكد انه لم تكن هناك أشياء مكتوبة فى ذلك الوقت .
ويوكد أيضا لنا القس فهيم عزيز أن وجود الأناجيل ككتاب مقدس مساوي
للعهد القديم مجهول التاريخ وان الأناجيل ظهرت متأخرة عن كتابات بولس.
ويذكر بعد ذلك عدة شهادات للإباء كلها تدل على انه لم يكن معترف بالأناجيل قبل منتصف القرن الثاني (5)
------------------------------------------------------------
(1)بحث مترجم لأحد المتقدمين الى مدارس الأحد الارثزوكسية ببطريركية أنطاكية للروم الارثزوكس
اليكم رابط البحث :
(2) كتاب المدخل الى العهد الجديد للدكتور فهيم عزيز صفحة 106 (صادر عن دار الثقافة المسيحية
(3) المدخل الى العهد الجديد للدكتور فهيم عزيز ص 148
(3)المدخل الى العهد الجديد للدكتور فهيم عزيز ص 147
(4) المدخل الى العهد الجديد ص 150:149
(5) انظر شهادات الإباء ص 152،151
وهذا يوكد لنا انه لم يكن معترف بأنجيل متى الذى بين أيدينا اليوم كسفر مقدس فى العصور الأولى للكنيسة وفى الأجزاء القادمة الخاصة بالكاتب والاضافت الواردة على الإنجيل سوف يتأكد لنا فى كل فقرة أن هذا السفر لم يكن سفر قانوني فى العصور الأولى للكنيسة .
من هو كاتب إنجيل متى ؟
تنسب الكنسية هذا الإنجيل الى متى العشار احد تلاميذ السيد المسيح الاثنى عشر فتقول دائرة المعارف الكتابية تحت عنوان إنجيل متى
(يأتى إنجيل متى أو الإنجيل بحسب رواية متى أول الأناجيل القانونية طبقاً للترتيب التقليدى ، وإن لم يكن فى جميع الحالات، وينسب هذا الإنجيل- حسب شهادة الكنيسة الأولى بالإجماع- إلى متى الرسول رغم أن عنوانه لا يدل بالضرورة على مصدره المباشر. )
ويقول القمص تادرس يعقوب ملطى فى تفسيره لإنجيل متى وتحت عنوان الكاتب فى مقدمة السفر
القدّيس متّى الإنجيلي، هو أحد الاثنى عشر تلميذًا، كان عشّارًا اسمه لاوي واسم أبيه حلفى. رآه السيّد المسيح جالسًا عند مكان الجباية فقال له: اتبعني، فقام وتبعه (مت9: 9؛ مر2: 14؛ لو5: 29).
وهذا أيضا ما يذكره الأب متى المسكين فى تفسيره لإنجيل متى (1) فانه يمكننا القول بان اعتبار كاتب إنجيل متى هو متى الحواري آمر مسلم بيه من قبل الكنيسة والعلماء عن طريق التقليد وبدون اى دليل فانه لا يوجد دليل واحد داخل الإنجيل او خارجه او شهادة لأحد الآباء توكد ان كاتب هذا الإنجيل هو متى العشار او ان كاتبه اسمه متى أساسا بل ان كل الشهادات والكتابات الموجودة تدل على عكس ذلك وأيضا بداخل الإنجيل العديد من النصوص التى تدل على انه كاتب هذا الإنجيل ليس متى العشار تلميذ المسيح عليه السلام يقول التقليد المسيحي ان إنجيل متى كتب فى الاصل بالعبرانية او العبرية مع ان كل المخطوطات الموجودة لهذا الإنجيل مخطوطات يونانية ولا يوجد اى اثر للمخطوطات العبرية بالسؤال عن هذه المخطوطات يقال انها مفقودة ومن الجدير بالذكر ان إنجيل متى العبري كان معترف بيه فى الكنيسة الأولى وهذه الشهادة يأخذها علماء المسيحية على انه لم يكن هناك جدال على قانونية إنجيل متى ولكن الإنجيل الذى كان معترف بيه هو الإنجيل العبري ثم ترك لفترة واخذ اليوناني وسوف نثبت بإذن الله تعالى من أفواههم ان الإنجيل العبري ليس هو الذى بين أيدنا الان وان الإنجيل الحالي يونانى الاصل .
-------------------------------------------------------------
(1) انظر تفسير إنجيل متى للأب متى المسكين ص 19،20
الاصل العبري :
يرجع القول بان إنجيل متى كتب بالعبرية الى القول الذى نقله يوسابيوس القصيرى عن احد المخطوطات القديمة عن بايبس بان متى العشار كتب الأقوال باللغة العبرانية وكل واحد يفسرها على حسب ما استطاع ويعتبر بايبس أول من ذكر ان كاتب إنجيل متى هو متى العشار ولكن يجدر الإشارة إلى انه يقصد الإنجيل العبري وانه ذكر ان متى كتب أقول عن السيد المسيح ولم يذكر انه كتب احدث ويذكر الأب متى المسكين فى تفسره لإنجيل متى عده شهادات لآباء الكنسية الأوائل توكد ان إنجيل متى مكتوب باللغة العبرية (جيروم – يوسابيوس القصيرى –اروجانيوس ) مع العلم ان اروجانيوس يذكر ان هذا هو التقليد المسلم اليه ( لم يكن شاهد عيان) (1) ويذكر الأب متى المسكين أيضا ان القديس جيروم وجد نسخة عبرية وترجمها حرفيا(2) ولكن لا يوجد اى ترجمة للقديس جيروم من العبرية الى اليونانية لإنجيل متى ولم يذكر فى المخطوطات أنها ترجمة القديس جيروم لإنجيل متى وان وجد فرضا ما يقول انه ترجمة للقديس جيروم فما يدرينا ان النسخة التى ترجم منها القديس جيروم مطابقة للأصل العبري فانه لا يوجد سند متصل والقول الذى ينقله الأب متى المسكين عن القديس جيروم انه وجد نسخة بالعبرية وقام بترجمتها وتنفى هذا الكلام دائرة المعارف الكتابية قائله وعندما كان جيروم فى سوريا منحت له الفرصة لرؤية مثل ذلك الإنجيل الذى وجده عند الناصريين ، والذى ظنه فى البداية من كتابة الرسول متى ، ولكنه صرح فيما بعد بأنه لم يكن كذلك ، بل كان "إنجيل العبرانيين" الذى يسمى أيضاً إنجيل الاثنى عشر رسولاً أو إنجيل الناصريين وكان متداولاً بين الناصريين والأييونيين وهو نفس المكان الذى ذكره الاب متى المسكين مؤكدا ان إتباعه كانوا يسموا بالنصارى ويوكد لنا الأب متى المسكين فى تفسيره لانجيل متى انه هناك فترة تم فيها الاستغناء عن إنجيل متى العبري فى الكنيسة لوجود بعض الهرطقات فيه ويذكر فى هامش الصفحة ان الهرطقة تخص لاهوت المسيح (3) وهذا اكبر دليل على ان الإنجيل الذى بين أيدينا اليوم ليس من كتابة متى الحواري تلميذ السيد المسيح عليه السلام وينقل لنا أيضا الدكتور فهيم عزيز أراء الفريق المخالف للتقليد القائل بان الكاتب هو متى العشار ويقول
1- ان بايبس يذكر ان متى كتب باللغة العبرية والعارفين باللغات يقولون ان إنجيل متى الذى بين ايدينا كتب باللغه اليونانية اصلا ويمكن التميز بين ان كان الكتاب مترجم من لغة الى لغة عن كتب كتب بلغه اصلا وليس مترجم
------------------------------------------------------------------
(1) انظر تفسير الاب متى المسكين ص 26
(2) انظر تفسير الاب متى المسكين ص 26
(3) يجوز انه كان الإنجيل العبرى كان يسلم بان المسيح عبد ورسول من الله وتم تغير هذ ا بعد مجمع نقية وإضافة وتأليف ما يوافق الإيمان الجديد ونسب هذا الى متى التلميذ (رأى شخصي)
2- ان متى قد اعتمد كثيرا على إنجيل مرقس فقد استنتج العلماء الدارسين ان إنجيل مرقس كان فى يد البشرين متى و لوقا وانهما استخدماه أساسا لكابتهما . وهذه حقيقة أضحت معروفة لدى جميع الدارسين . ولا ينكر عالم ان لغة إنجيل مرقس وأسلوبه فى الكتابة يظهر انه كتب قبل الإنجيلين الآخرين .(1)
وهنا نسال كيف ينقل متى تلميذ المسيح شاهد العيان عن مرقس الذى لم يكن شاهد عيان بل ناقل واخذ الأقوال من بطرس الرسول باعترافه هذا لا يعقل ويوكد الدكتور فيهم عزيز فى الفقرة السابقة بين نقطتين ان نقل متى من مرقس حقيقة واضحة لدى الدارسين .
ويقول أيضا ان قاري إنجيل مرقس يعرف المادة الموجودة فى إنجيل مرقس مأخوذة من شاهد عيان فى الدقة والتفاصيل مثل ( كان فى المؤخرة على وسادة نائما ) اما متى فيختلف فانه اخذ المادة منه واجري عليها بعض التلميع
وهذا يدل على ان مرقس كتب أولا (2) فان أسلوب متى أسلوب الشخص الذى جلس يفكر ويكتب وليس الذى شاهد بعينه .
وهناك اتجاه يتوسط هذا الفريق فلا يقول ان الكاتب ليس متى الرسول محافظا على التقاليد ولا يجزم انه هو ولكن يقول انه قد يكون تلميذ فى مدرسة اسمها متى وانه نقل أقوال متى من العبرية ونقل أيضا من إنجيل مرقس ونسب الإنجيل إلى متى الرسول (3)
الإنجيل الذى بين ايدينا يوناني الاصلى وليس عبراني :
سوف نؤكد بإذن الله تعالى ان الإنجيل الذى بين ايدينا الآن يوناني الأصل وليس مترجم من العبرية وبهذا ينتهي القول بان كاتب هذا الإنجيل هو متى العشار تلميذ السيد المسيح عليه السلام
أننا إذا طالعنا كتاب المدخل إلى العهد الجديد للدكتور القس فهيم عزيز وبعد ان يذكر أراء الوسطين بين المؤيد والمعارض لان كاتب إنجيل متى هو متى الحوار او غيره نجد القس وينحاز إلى ان الكاتب ليس متى ولكن بدون تصريح حتى لا يواجه انتقاض فهو يقول من هو الكاتب ؟ فقد يكون متى الرسول وقد يكون غيره ( الدكتور القس يتعرف بان الكاتب مجهول ) ويوكد هذا قالا لكنه يتميز بأمور
1- كان يهوديا ويعيش خارج فلسطين والسبب فى ذلك انه كان يكتب باللغة اليونانية وكان يقتبس من الترجمة السبعينية ( القس ويوكد ان الأصل لانجيل متى الحالي يوناني ) لكنه كان شخص متعلم ويعرف الكتب القديمة العهد القديم
------------------------------------------------
(1)المدخل إلى العهد الجديد للدكتور فيهم عزيز ص 243
(2) انظر المدخل للعهد الجديد ص 244
(3) انظر المدخل للعهد الجديد ص 245
ويشير القس إلى عده أمور توكد ان الكاتب يهودي وكان هدفه من الكتابة هو أثبات ان المسيح جاء يتمم ما فى الأسفار القديمة وان أسلوب الكاتب من الأساليب المتبعة عند معلمي اليهودية (1) (معلمي اليهودية وليس الشعارين ) وبالطبع لم يكن متى الحواري هو اليهودي الوحيد الذى تنصر فقد يكون غيره تنصر ونسب الإنجيل إلى متى الحواري حتى يكون قانوني او ان الكنيسة نسبته له لنفس السبب
دائرة المعارف الكتابية تعترف صراحة بان إنجيل متى اليوناني ليس هو العبرى فانه تحت حرف آلاف تحت كلمة إنجيل – إنجيل متى وتحت عنوان العلاقة بين الإنجيل اليوناني والإنجيل الأرامى :
والمؤكد هو أنه مهما كان هذا الإنجيل العبرى (الأرامى) ، فهو لم يكن الصورة الأصلية التى ترجم عنها الإنجيل اليونانى الذى بين أيدينا ، سواء بواسطة الرسول نفسه أو بواسطة أحد آخر كما يقول بنجل وتريش وغيرهما من العلماء. فإنجيل متى – فى الحقيقة – يعطى الأنطباع بأنه غير مترجم بل كتب أصلاً فى اليونانية ، فهو أقل فى عبريته -فى الصياغة والفكر- من بعض الأسفار الأخرى فى العهد الجديد، كسفر الرؤيا مثلاً . فليس من الصعب – عادة- اكتشاف أن كتاباً فى اليونانية من ذلك العصر مترجم عن العبرية أو الأرامية ، أو غير مترجم . وواضح أن إنجيل متى قد كتب اصلاً فى اليوناينة ، من أشياء كثيرة، منها كيفية استخدامه للعهد القديم، فهو أحياناً يستخدم الترجمة السبعينية ، وأحياناًأخرى يرجع إلى العبرية، ويظهر ذلك بوضوح فى الأجزاء 12: 18-21، 13: 14و 15 حيث نجد أن الترجمة السبعينية كانت تكفى لتحقيق غرض البشير ، لكنه – مع ذلك – يرجع إلى النص فى العبرية مع أنه يستخدم الترجمة السبعينية أينما يجدها وافية بالغرض.
وترد دائرة المعارف الكتابية على أقوال العلماء والآباء الأوائل القائلين بان الأصل لانجيل متى هو الأصل اليوناني مثل (إيريناوس وأريجانوس ويوسابيوس) ترد بالحادثة التى حدثت مع القديس جيروم عندما كان فى سوريا ووجد إنجيل عبري وكان يظن انه للقديس متى ثم قال انه ليس هو (2) بل قال انه كان إنجيل العبرانيين ( ابوكريفا ) وتقول دائرة المعارف حرفيا
ولهذا فأن إشارات إيريناوس وأريجانوس ويوسابيوس إلى الإنجيل العبرى لمتى، يعتبرها الكثيرون من العلماء على أنها تشير إلى الإنجيل العبرى الذى كان يستخدمه المسيحيون من اليهود والذي كانوا يظنونه من كتابه البشير. وهكذا يظل إنجيل متى العبرى الذى أشار إليه بايياس (على فرض أنه وجد حقيقة ) ، لغزاً لم يحل بالوسائل المتاحة لنا الأن،
ويوجد أيضا داخل الإنجيل أدله على ان الكاتب ليس متى العشار ان كاتب الإنجيل عندما يتحدث عن متى يتحدث بصفة الغائب ولا يتكلم عن نفسه إنما يتحدث عن متى كأنه شخص غائب فمثلا
(1) انظر المدخل إلى العهد الجديد ص 246،247
(2) انظر صفحة 7 من هذا البحث
Mt / انجيل متى إ 9 ع 9
وفيما يسوع مجتاز من هناك رأى إنسانا جالسا عند مكان الجباية اسمه متى. فقال له: «اتبعني». فقام وتبعه.. ترجمة : الفانديك
لو كان هو الكاتب لكن قال(راني) ( فقومت وتبعته)
Mt / انجيل متى إ 10 ع 1
ثم دعا تلاميذه الاثني عشر وأعطاهم سلطانا على أرواح نجسة حتى يخرجوها ويشفوا كل مرض وكل ضعف.. ترجمة : الفانديك
لو كان الكاتب احد التلاميذ الاثنى عشر لقال ( وأعطانا نحن التلاميذ سلطانا )
Mt / انجيل متى إ 10 ع 2
وأما أسماء الاثني عشر رسولا فهي هذه: الأول سمعان الذي يقال له بطرس وأندراوس أخوه. يعقوب بن زبدي ويوحنا أخوه. ع 3
فيلبس وبرثولماوس. توما ومتى العشار. يعقوب بن حلفى ولباوس الملقب تداوس ع 4
سمعان القانوي ويهوذا الإسخريوطي الذي أسلمه. ع 5
هؤلاء الاثنا عشر أرسلهم يسوع وأوصاهم قائلا: «إلى طريق أمم لا تمضوا وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا.. ترجمة : الفانديك
لو كان منهم لكان قال (وأنا متى) من الواضح جدا انه يتحدث عن شخص آخر
فان هذه الأعداد بالإضافة لشهادة العلماء توكد لنا ان الكاتب ليس متى العشار تلميذ السيد المسيح علية السلام وهنا لنا بعض الأسئلة التى تبحث عن إجابة
1- من هو كاتب إنجيل متى ؟
2- باى لغة كتب إنجيل متى وأين الأصول ؟
3- ان فرضا جدلا ان الكاتب متى العشار وان الأصل عبري من المترجم وماهى مدى دقة الترجمة ؟
4- هل هذا الإنجيل وحى من الله ؟
5- هل قال كاتب الإنجيل انه يكتب كلام الهي او كلام مقدس للعبادة؟
6- ان أول من نسب الإنجيل إلى متى هو بايبس وقال انه قال أقوال عن السيد المسيح وقد فسرها الآخرون بقدر المستطاع فهل الإنجيل الذى بين ايدينا هو نص أقوال متى ام هي أقوال وألفيت عليها سيرة للمسيح ؟
7- هل تعتبر شهادة بايبس محل ثقة وهى منقولة عن يوسابيوس القيصري الذي يقول ان بايبس أساء فهم الكتابات الرسوبية وانه محدود الإدراك وابحاثة تدل على ذلك وهو اول تقليد ينسب الإنجيل لمتى العشار؟ (1)
(1) كتاب تاريخ الكنيسة ليوسابيوس القصيرى ترجمة القس مرقص داود ص145،146
تحريف كاتب إنجيل متى للعهد القديم :
إذا بدأنا فى قراءة إنجيل متى فانه يبدأ بنسب المسيح إلى داود عليه السلام ويقول Mt / إنجيل متى إ 1 ع 11(ويوشيا ولد يكنيا وإخوته عند سبي بابل.)
وهذا تحريف واضح فى العهد القديم فانه في 1Chr / أخبار الأيام الأولى إ 3 ع 15(وبنو يوشيا: البكر يوحانان, الثاني يهوياقيم, الثالث صدقيا, الرابع شلوم..) فنجد هنا الكاتب حذف يهوياقيم ابن يوشيا ووالد يكنيا وهذا لان يهوياقيم نسبه محروم من الملك من قبل الله
ارميا إ 36 ع 29 وقل ليهوياقيم ملك يهوذا: هكذا قال الرب: أنت قد أحرقت ذلك الدرج قائلا: لماذا كتبت فيه: مجيئا يجيء ملك بابل ويهلك هذه الأرض ويلاشي منها الإنسان والحيوان؟. ع 30 لذلك هكذا قال الرب عن يهوياقيم ملك يهوذا: لا يكون له جالس على كرسي داود وتكون جثته مطروحة للحر نهارا وللبرد ليلا ع 31 وأعاقبه ونسله وعبيده على إثمهم وأجلب عليهم وعلى سكان أورشليم وعلى رجال يهوذا كل الشر الذي كلمتهم عنه ولم يسمعوا]..
أذن كل نسل يهوياقيم محروم من كرسي داود لهذا حذف الكاتب اسم الملك وحرف في العهد القديم ويمكن مراجعه سفر الأيام الأول الإصحاحات 1و2و3
ثم يحاول كاتب الإنجيل تلفيق نبوة ( عمانوئيل ) إلى المسيح عليه السلام ولكننا ان رجعنا إلى هذه النبوة فى سفر اشعياء وقراءنا الإصحاحات 7 و8 سوف نجد ان القصة بمختصر شديد هي ايه يرسلها الله إلى الملك آحاز على يد النبي اشعياء ليوكد له النصر على أعداءه ونجد ان هذه الآية تحققت للنبي اشعياء ورآها احاز وكما ان الترجمة الكاثوليكية تقول صبية وليست عذراء
Is / اشعياء إ 7 ع 14
فلذلك يؤتيكم السيد نفسه آية: ها إن الصبية تحمل فتلد آبنا وتدعو آسمه عمانوئيل.. ترجمة : الكاثوليكية
وتقول فى تعليقها ان النص العبري (علمه ) وليست عذراء وان لفظ علمه يطلق على الصبية او امرأة لم يمض وقت طويل على زوجها ونرى أيضا ان ترجمة الرهبان اليسوعية تقول الصبية Is / اشعياء إ 7 ع 14
فلذلك يؤتيكم السيد نفسه آية: ها إن الصبية تحمل فتلد آبنا وتدعو آسمه عمانوئيل. . ترجمة : اليسوعية الحديثة
ويسوع لم يدعى عمانوئيل بالإضافة إلى ان النص فى صيغه الماضي ويقول ان الصبي قبل معرفة الخير والشر سوف ينتصر احاز على أعداءه وقام كاتب الإنجيل بنقل النبؤة بدون تمعن فى النص (1)
سوف أقوم بإذن الله بإفراد بحث خاص عن هذه النبوة الهامة وإظهار إنها لا تخص السيد مريم او المسيح عليه السلام وكل ما ذكر هنا أنما هو إشارات فقط
ثم ناتى إلى تحريف آخر يقوم بيه كاتب هذا الإنجيل المنسوب إلى متى وهو فى الإصحاح الثاني العدد15 يقول Mt / إنجيل متى إ 2 ع 15
فأقام هناك إلى وفاة هيرودس، ليتم ما قال الرب على لسان النبي: ((من مصر دعوت ابني )). .
هذه النبوة لم ترد قط فى المسيح إنما كانت تحص بني إسرائيل فهي موجودة فى سفر هوشع Hos / هوشع إ 11 ع 1
«لما كان إسرائيل غلاما أحببته ومن مصر دعوت ابني.. ع 2 كل ما دعوهم ذهبوا من أمامهم يذبحون للبعليم ويبخرون للتماثيل المنحوتة ع 3 وأنا درجت أفرايم ممسكا إياهم بأذرعهم فلم يعرفوا أني شفيتهم..
الكلام كله عن بني إسرائيل وعن إعراضهم ولا يمد باى صلة إلى المسيح
وناتى إلى التحريف الرابع او يمكننا القول أنها إضافة من كاتب إنجيل متى ودعوة أنها نبوة من العهد القديم فيقول Mt / إنجيل متى إ 2 ع 23
وأتى وسكن في مدينة يقال لها ناصرة لكي يتم ما قيل بالأنبياء: «إنه سيدعى ناصريا»..
اين هذه النبوة فى العهد القديم غير موجودة بل ان مدينة الناصرة غير موجودة فى العهد القديم تقول عنها دائر المعارف الكتابية تحت اسم الناصرة
) الموقع : الناصرة قرية في ولاية الجليل ، وكانت موطن يوسف ومريم العذراء والرب يسوع. وكانت على الدوام قرية صغيرة منعزلة ، فلا تذكر مطلقاً في العهد القديم ، ولا في التلمود ، ولا فى الأسفار الأبوكريفية ، ولا في كتابات يوسيفوس المؤرخ اليهودى .
لم تذكر فى العهد القديم او التلمود اليهودي او أسفار الابوكيفة إذن من أين أتى الكاتب بهذه النبوة المجهولة ويقول المحيط الجامع عنها
ناصرة
تسمَّى مدينة (بوليس)، ولكنها في الواقع ضيعة صغيرة من ضيع الجليل. لم تصبح مهمّة إلاّ بعد أحداث العهد الجديد. في الناصرة قبلت مريم بشارة الملاك (لو 1 :26-38). في الناصرة قضى يسوع حياته الخفيّة (لو 2 :39، 51-52؛ مت 2 :23)، وفيها بدأ حياته العلنية (مت 4 :13؛ مر 1 :9) بحيث سمِّي نبيّ الناصرة (مت 21 :11؛ أع 10 :38). في بداية الحياة العلنيّة، عارض أهل الناصرة كرازة يسوع، وأرادوا أن يُلقوه من أعلى الجبل (لو 4 :16-30. يقولون إن هذا الجبل هو جبل القصفة). وسموا المسيحيين ناصريين ونصارى احتقارا انطلاقا من اسم الناصرة (يو 1 :46 : هل يخرج من الناصرة شيء فيه صلاح؟). كانت حفريات في الناصرة واكتشفت سنة 1878 كتابة تشير إلى قرار امبراطور روماني يمنع أهل الميت من المس بالقبور. فظن بعض العلماء أن كاليغولا أصدر هذا القرار بمناسبة الإحداث المروية في مت 28 :12-15 (سرق التلاميذ جسد يسوع). ولكن هذا القول يبدو ضعيفًا.
وهذا آخر ما سوف اذكره عن تحريف متى للعهد القديم الا وهو نقض السبت فهو يقول فى الاصحاح الثاني عشر
Mt / إنجيل متى إ 12 ع 5
أو ما قرأتم في التوراة أن الكهنة في السبت في الهيكل يدنسون السبت وهم أبرياء؟. ترجمة : الفانديك
من الواضح بعد كل هذا ان متى كان يقرءا فى كاتب آخر واعتقد انه التوراة ونقل عنه نبوءات كاذبة ومولفه
ومن هنا نجد ان كاتب إنجيل متى يحاول جاهد إيهام القاري ان يسوع هو المسيح المنتظر بالكذب والتحريف
تناقض كاتب إنجيل متى مع الأناجيل الأخرى :
كما يقول المسيحيون ان الأناجيل كلها وحى من الله وهذا يستلزم ان تكون كلها متفقة فانه لا يعقل ان يوحى الله إلى متى شي والى مرقس شي آخر فان هذا يستوجب ان يكون احدها ليس وحى او ان الاثنين ليسو وحى ولقد أثبتنا بفضل الله تعالى ان إنجيل متى مادته ماخوذه من إنجيل مرقس وأيضا لوقا مستوحى كتابته من إنجيل مرقس ومع هذا نجد اختلف بين الثلاثة
يوجد اختلاف فى ترتيب احدث تجربة الشيطان ليسوع فى متى Mt / انجيل متى إ 4 ع 1 ثم أصعد يسوع إلى البرية من الروح ليجرب من إبليس 2
فبعد ما صام أربعين نهارا وأربعين ليلة جاع أخير 3 فتقدم إليه المجرب وقال له: «إن كنت ابن الله فقل أن تصير هذه الحجارة خبزا» 4 فأجاب: «مكتوب: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله» 5 ثم أخذه إبليس إلى المدينة المقدسة وأوقفه على جناح الهيكل 6 وقال له: «إن كنت ابن الله فاطرح نفسك إلى أسفل لأنه مكتوب: أنه يوصي ملائكته بك فعلى أياديهم يحملونك لكي لا تصدم بحجر رجلك» 7 قال له يسوع: «مكتوب أيضا: لا تجرب الرب إلهك» 8 ثم أخذه أيضا إبليس إلى جبل عال جدا وأراه جميع ممالك العالم ومجدها 9 وقال له: «أعطيك هذه جميعها إن خررت وسجدت لي» 10 حينئذ قال له يسوع: «اذهب يا شيطان! لأنه مكتوب: للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد».. ترجمة : الفانديك
فهنا فى إنجيل متى نجد ان يسوع كان فى المدينة المقدسة ثم اخذ إلى الجبال العالى بهذا الترتيب اما فى لوقا فنجد
Lk / انجيل لوقا إ 4 ع 1 أما يسوع فرجع من الأردن ممتلئا من الروح القدس وكان يقتاد بالروح في البرية 2 أربعين يوما يجرب من إبليس. ولم يأكل شيئا في تلك الأيام. ولما تمت جاع أخيرا.. 3 وقال له إبليس: «إن كنت ابن الله فقل لهذا الحجر أن يصير خبزا 4 فأجابه يسوع: «مكتوب أن ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة من الله» 5 ثم أصعده إبليس إلى جبل عال وأراه جميع ممالك المسكونة في لحظة من الزمان.
6 وقال له إبليس: «لك أعطي هذا السلطان كله ومجدهن لأنه إلي قد دفع وأنا أعطيه لمن أريد 7 فإن سجدت أمامي يكون لك الجميع». 8 فأجابه يسوع: «اذهب يا شيطان! إنه مكتوب: للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد 9 ثم جاء به إلى أورشليم وأقامه على جناح الهيكل وقال له: «إن كنت ابن الله فاطرح نفسك من هنا إلى أسفل. 10 لأنه مكتوب: أنه يوصي ملائكته بك لكي يحفظوك 11
وأنهم على أياديهم يحملونك لكي لا تصدم بحجر رجلك».. 12 فأجاب يسوع: «إنه قيل: لا تجرب الرب إلهك».. ترجمة : الفانديك
نجد هنا فى إنجيل لوقا نفس التجارب نفس الإجابات ولكن اختلاف فى ترتيب الإحداث فى لوقا الجبل العالي اولا ثم المدينة المقدسة عكس متى تماما ايهم وحى الهي وايهم ليس بوحي ايهم يكتب بروح القدس والآخر يولف؟
نذكر مثال آخر للاختلاف بين متى ولوقا ( مع أن مصدرهم واحد وهو مرقس)
في متى الإصحاح العاشر عدد 30 نقرا Mt / انجيل متى إ 10 ع 30
وأما أنتم فحتى شعور رؤوسكم جميعها محصاة. 31 فلا تخافوا. أنتم أفضل من عصافير كثيرة. 32 فكل من يعترف بي قدام الناس أعترف أنا أيضا به قدام أبي الذي في السماوات 33 ولكن من ينكرني قدام الناس أنكره أنا أيضا قدام أبي الذي في السماوات.. ترجمة : الفانديك
وفى لوقا نرى نفس الرواية ولكن الاعتراف والإنكار أمام ملائكة الله وليس الأب Lk / انجيل لوقا إ 12 ع 7 بل شعور رؤوسكم أيضا جميعها محصاة! فلا تخافوا. أنتم أفضل من عصافير كثيرة!. 8 وأقول لكم: كل من اعترف بي قدام الناس يعترف به ابن الإنسان قدام ملائكة الله. Lk / إنجيل لوقا إ 12 ع 9
ومن أنكرني قدام الناس ينكر قدام ملائكة الله.. ترجمة : الفانديك
ونحن نسال الاعتراف والإنكار أمام من الملائكة ام الله ؟
نكتفى بهذه التناقضات بين متى و لوقا مع وجد أكثر من تناقض آخر بينهم ولكنة اكتفى بهذين المثلين وقد قولنا آنا متى ولوقا يختلفان مع أن مصدر المادة المأخوذ عنها أنجليهما واحدة الا وهى مرقس فانه من العجب أن يتناقض متى مع مصدره ففى مرقس يتحدث يسوع عن يوم القيامة ويقول
Mk / انجيل مرقص إ 13 ع 32
وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الآب.. ترجمة : الفانديك
اما متى فيقول Mt / انجيل متى إ 24 ع 36
وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا ملائكة السماوات إلا أبي وحده.. ترجمة : الفانديك
متى حذف الابن من كلام مرقس مصدره لانه استصعب على المتلاقى أن
يسمع أن الابن (الاله المتجسد ) لا يعرف ميعاد الساعة وسوف نجد عدة تناقضات بين متى مرقس وهنا يجدر بنا ذكر نظرية يطلق عليها الدكتور منقذ السقار اسم ( اضرب في اثنين بين متى ومرقص ) (1) فيقول انه من المعرف أن متى كان ينقل من مرقس فاذا نظرنا وجدنا متى يضخم الاحداث ويقوم بضرب الحدث في اثنين ( الحدث x 2 ) فمثلا معجزة شفاء اعمى فاذا نظرنا إلى مرقس 10/46 52 نجد أن يسوع شفى اعمى اما إذا نظرنا إلى نفس القصة في متى 20/29 34 نجد متى يذكر اعمين وكذلك إذا نظرنا إلى قصة دخول يسوع إلى اورشاليم نجد نفس النظرية ففي مرقس 11/1 10 دخل يسوع على جحش اما في متى 21/1 11 نجده دخل على جحش وآيتان
اختلاف الترجمات العربية لإنجيل متى :
وقد يقول قال انه لا يوجد مشكله في هذه النقطة حيث أن الاختلاف اختلاف ترجمة فقط ولكننا نقول لا انه توجد مشكله والمشكلة كبيرة فان هذا الكلام من المفترض انه وحى الهي مقدس يتعبد بقراءته ويجب على المتعامل مع من ناحية الترجمة مراعاة هذا ويجب على آباء الكنائس الوقوف لهذا الاختلاف لانه كلام الهي لو كانوا على ثقة من هذا وأننا سوف نجد أن الاختلاف بحذف وإضافة جمل بين الترجمات المختلفة فأي الجمل المضافة من كلام الله وأيها محرف والمحذوف هل كان وحى ام كان إضافة فان كان وحى فلماذا حذف ومن يجرى على حذف الوحي الالهى ولماذا وان لم يكن وحى فمن أضافه
ننظر إلى متى 13:6
Mt / انجيل متى إ 6 ع 13
ولا تدخلنا في تجربة لكن نجنا من الشرير. لأن لك الملك والقوة والمجد إلى الأبد. آمين.. ترجمة : الفانديك
Mt / انجيل متى إ 6 ع 13
ولا تدخلنا في التجربة،لكن نجنا من الشرير.. ترجمة : العربية المشتركة ( النص محذوف )
Mt / انجيل متى إ 6 ع 13
ولا تتركنا نتعرض للتجربة بل نجنا من الشرير . ترجمة : اليسوعية
Mt / انجيل متى إ 6 ع 13
ولا تتركنا نتعرض للتجربة بل نجنا من الشرير. ترجمة : الكاثوليكية
Mt / انجيل متى إ 6 ع 13
ولا تدخلنا في تجربة، بل نجنا من الشرير.. ترجمة : البولسية
Mt / انجيل متى إ 6 ع 13
ولا تدخلنا في التجربة،لكن نجنا من الشرير. . ترجمة : الأخبار السارة
-------------------------------------------------------------
(1) احد مداخلات دكتور منقذ السقار في غرفة الحوار الاسلامى المسيحي حول هل سفر الأيام من كلام الله وذكر أثناء المداخلة هذه النظرية وهذا مضمون ما قا له الدكتور منقذ السقار
ولكن للأمانة أيضا النص موجود في ترجمة الحياة والإنجيل الشريف ولكن بالنظر في ترجمة العهد الجديد ترجمة مابين السطور ترجمة حرفية يوناني – عربى للآباء ( بولس الافغانى وانطون عوكر ونعمة الله الخورى ويوسف فخرى ) في صفحة 24 نجد النص غير موجد نهائيا
مثال آخر ننظر متى 18 /11 في الفانديك
Mt / انجيل متى إ 18 ع 11
لأن ابن الإنسان قد جاء لكي يخلص ما قد هلك.. ترجمة : الفانديك
الترجمة العربية المشتركة تضع النص بين أقواس
Mt / انجيل متى إ 18 ع 11
[فابن الإنسان جاء ليخـلص الهالكين].. ترجمة : العربية المشتركة
الترجمة اليسوعية تحذف النص نهائيا وتكتب النص 10 ويليه النص 12
وتعلق قاله في هامش الصفحة أن الآية لم ترد في جميع المخطوطات ص87
وكذلك الترجمة الكاثوليكية تحذف النص وكذلك ترجمة مابين السطور (يوناني – عربي ) تضع النص بين أقواس من أين جاء هذا النص وهو لم يرد في جميع المخطوطات؟ من قام بالإضافة إلى الوحي الالهى ؟
ونذهب إلى نص آخر في متى 35:27 في ترجمة الفانديك
Mt / انجيل متى إ 27 ع 35
ولما صلبوه اقتسموا ثيابه مقترعين عليها لكي يتم ما قيل بالنبي: «اقتسموا ثيابي بينهم وعلى لباسي ألقوا قرعة».. ترجمة : الفانديك
هذه هى الجملة واذا نظرنا إلى الترجمة اليسوعية
Mt / انجيل متى إ 27 ع 35
فصلبوه ثم اقتسموا ثيابه مقترعين عليها. . ترجمة : اليسوعية
الترجمة اليسوعية حذفتها نهائيا
وتعلق قائلة
وكذلك ترجمة مابين السطور اليوناني – عربي تحذف الجملة صفحة 153 أيضا الترجمة العربية المشتركة تحذف الجملة الترجمة الكاثوليكية تحذفها أيضا ترجمة الإنجيل الشريف تحذفها الترجمة البولسية تحذفها أيضا كل الترجمات العربية تحذف الجملة من أضافها للفانديك ؟
كاتب إنجيل متى يناقض نفسه :
راينا أن الكاتب يناقض مصدره وأيضا يناقض لوقا الذي له نفس ماده متى في الكتابة وهى إنجيل مرقس ولكن الغريب أننا نجد متى يناقض نفسه مما لا يدع مجال للشك أن هذا الشخص الذي نسب كتابته إلى متى العشار لا يكتب بوحى الهي نبدأ أولا في نسب يسوع الذي ذكره متى يقول في الإصحاح 17
Mt / إنجيل متى إ 1 ع 17
فجميع الأجيال من إبراهيم إلى داود أربعة عشر جيلا ومن داود إلى سبي بابل أربعة عشر جيلا ومن سبي بابل إلى المسيح أربعة عشر جيلا..
وبمراجعه الأعداد السابقة لهذا العدد نجد هناك اختلاف فمن إبراهيم إلى داود 14 جيلا حقا هذا صحيح وهم ( 1- إبراهيم 2- إسحاق 3- يعقوب 4- يهوذا 5- فارص 6- حصرون 7- آرام 8- عميناداب 9- نحشون 10- سلمون 11-بوعز 12- عويبد 13- يسى 14- داود ) ( متى 1/2- 6)
وأيضا من داود إلى السبي البابلي 14جيل ( 1- سليمان 2- رحبعام 3- ابيا 4- آسا 5- يهوشافاط 6- يورام 7- عزيا 8- يوثام 9- أحاز 10- حزقيا 11- منسى 12-آمون 13- يوشيا 14 – يكنا ) (متى 1/ 6-11)
ولكن عند قراءة الأجيال من السبي البابلي إلى المسيح نجد اختلاف
( متى 1/12-16) والأجيال هي ( 1- شألتئيل 2- زرابابل 3- ابيهود 4- ألياقيم 5- عازور 6- صادوق 7- أخيم 8- أليود 9- أليعازر 10- متان 11- يعقوب 12- يوسف 13 –المسيح ) نجد أن الأجيال 13 جيل وليس 14 جيل كما ذكر متى في العدد 17 وها هي أول ما يقصه متى يناقض كلامه بنفسه
يقول متى ناقلا عن يسوع
Mt / إنجيل متى إ 5 ع 44
وأما أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم.
ـ{ إنجيل متى إ 7} {ع 6 لا تعطوا المقدس للكلاب ولا تطرحوا درركم قدام الخنازير لئلا تدوسها بأرجلها وتلتفت فتمزقكم. }ـ
أيهما تفعل ويقول أيضا
Mt / انجيل متى إ 23 ع 33
أيها الحيات أولاد الأفاعي كيف تهربون من دينونة جهنم؟.
فهو ينهرهم ويوصفهم بالحيات ومن المعروف العداوة التي بين الحية وبنى ادم راجع ( التكوين 3 /14-15 ) وفى موضوع آخر يذكر الكاتب أن يسوع يطالب تلاميذه بالتشبه بالحيات ـ{ إنجيل متى إ 10} {ع 16 «ها أنا أرسلكم كغنم في وسط ذئاب فكونوا حكماء كالحيات وبسطاء كالحمام. }ـ
هل الحية حكيمة ام انها ماكرة وذات حيله كما قال عنها الإله في (تكوين 3/1) وهى سبب لعنة الأرض بل وسبب صلب الرب يسوع
وتناقض آخر أيضا على لسان يسوع Mt / انجيل متى إ 16 ع 15
قال لهم: «وأنتم من تقولون إني أنا؟». 16 فأجاب سمعان بطرس: «أنت هو المسيح ابن الله الحي» 17 فقال له يسوع: «طوبى لك يا سمعان بن يونا إن لحما ودما لم يعلن لك لكن أبي الذي في السماوات.. 18 وأنا أقول لك أيضا: أنت بطرس وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها
19 وأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطا في السماوات. وكل ما تحله على الأرض يكون محلولا في السماوات»..
نرى كيف يروى لنا كاتب إنجيل متى الامتداح الذي كان يقوله يسوع لبطرس ويذكر الاموار التى وهبها له ثم في نفس الصفحة بعد ثلاث اعداد فقط في العدد 23 نجد الأمور تنقلب 23 فالتفت وقال لبطرس: «اذهب عني يا شيطان. أنت معثرة لي لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس»..
انقلب كل ما كان لبطرس مرة واحده ولماذا لان بطرس قال له Mt / انجيل متى إ 16 ع 22 فأخذه بطرس إليه وابتدأ ينتهره قائلا: «حاشاك يا رب! لا يكون لك هذا!». انه يتكلم بفطرته السوية ومن حبه إلى معلمه وخوفه علية كيف يكون هذا الكلام لشخص واحد او كاتب واحد .
واكتفى بهذا مع أن عجائب إنجيل متى لم تنتهي بعد فانك كلما قراءت إنجيل متى ودققت فيه تجد العجب العجاب وفى النهاية يمكن أن نستنج ماياتى :
1- إنجيل متى كاتبة مجهول وليس متى العشار
2- إنجيل متى الذي بين أيدينا يوناني الأصل ولا يمد بصله للعبراني
3- متى لم يقل انه كتب إنجيلا او حتى هذا الكاتب المجهول لم يقل انه كان يكتب إنجيلا او كان يكتب بوحي الهي
4- إنجيل متى مادته مأخوذة من إنجيل مرقس
5- متى حرف وألف في العهد القديم مما ويوكد انه لا يكتب بوحي
6- متى يتناقض مع باقي الأناجيل بل ويتناقض مع نفسه
7- يوجد عده ترجمات لإنجيل متى بها كثير من الاختلافات
اسأل الله العظيم أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم وان ينفع بيه
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا
--------------------------
المراجع :
1- الكتاب المقدس بعدة تراجم عربية ( كتاب الكترونى )
2- الكتاب المقدس الترجمة اليسوعية و ترجمة الفانديك
3- دائرة المعارف الكتابية ( كتاب الكترونى )
4- قاموس الكتاب المقدس (كتاب الكترونى)
5- تفسير تادرس يعقوب ملطى (كتاب الكترونى )
6- تفسير الأب متى المسكين لإنجيل متى مطبعة دير القديس أنبا مقار - وادي النطرون
7- المدخل إلى العهد الجديد للقس الدكتور فهيم عزيز ( دار الثقافة المسيحية )
8- ترجمة ما بين السطور للعهد الجديد ترجمة حرفية يوناني – عربي للآباء ( بولس الافغانى وانطون عوكر ونعمة الله الخورى ويوسف فخري )
9- بحث من كتاب قانون العهد الجديد لاحد المتقدمين لامدارس الأحد ببطريقه إنطاكية وسائر المشرق للروم الارثزوكس من الكتاب في الأساس من تأليف يوحنا كرافيذوبولوس رابط البحث
يوجد صور فى البحث وقمت بارساله ع البريد الكترونى
تعود أسفار العهد الجديد السبعة والعشرون إلى ثمانية مؤلفين تفاوتت مقادير كتاباتهم ، ففي حين لم تزد رسالة يهوذا عن صفحتين فإن لبولس ما يربو على المائة صفحة .
وأيضاً يتفاوت قرب هؤلاء من المسيح ، ففي حين أن يهوذا وبطرس ويوحنا من تلاميذه الاثنى عشر ، فإن لوقا ومرقس لم يلقيا المسيح ، فيما لم يتنصر بولس إلا بعد رفع المسيح .
والنصارى يعتبرون هؤلاء المؤلفين الثمانية بشراً ملهمين كتبوا ما أملاه عليهم روح القدس وفق أسلوبهم ، وقد ثبت لدينا عدم إلهامية كتبة العهد الجديد فيما سبق .
ولكن هل تصح نسبة الكتب إلى هؤلاء الثمانية؟ وبالذات إلى متى ويوحنا وبطرس الذين يفترض أنهم من أخص تلاميذ المسيح أم أن النسبة هي أيضاً محرفة ؟ وهل من الممكن أن يصدر هذا الكلام - الذي في العهد الجديد - من حواريي المسيح الذين رباهم طوال سني رسالته ، وذكرهم القرآن بالثناء الحسن ؟
إن هذا كله جعل المحققين من المسلمين يرون أن هذه الأسفار لا يمكن أن تصدر عن تلاميذ المسيح المؤمنين ، فاهتموا لذلك بدراسة وتوثيق نسبة هذه الأسفار إليهم .
ولسوف لن نتوقف طويلا مع توثيق نسبة بعض الأسفار ، لأن كتبتها ليسوا من تلاميذ المسيح، وعليه فلا يهمنا إن كان كاتب إنجيلي مرقس ولوقا هما مرقس ولوقا أو أياً من النصارى الذين عاشوا في نهاية القرن الأول، إذ أي من هؤلاء ليس بمعصوم ولا ملهم ولا يحمل ثناء واحداً من المسيح عليه السلام، ومثله نصنع في رسائل بولس عدو المسيح الذي ادعى الرسالة والعصمة، وهو لم يلق المسيح البتة.
أولاً : إنجيل متى
وهو أول إنجيل يطالعك وأنت تقرأ في الكتاب المقدس ، ويتكون هذا الإنجيل من ثمانية وعشرين إصحاحاً تحكي عن حياة المسيح ومواعظه من الميلاد وحتى الصعود إلى السماء .
وتنسبه الكنيسة للحواري متى أحد التلاميذ الإثنى عشر الذين اصطفاهم المسيح ، وتزعم أن هذا الكتاب قد ألهمه من الروح القدس . وترجح المصادر أن متى كتب إنجيليه لأهل فلسطين ، أي لليهود المتنصرين ، وتختلف المصادر اختلافاً كبيراً في تحديد تاريخ كتابته ، لكنها تكاد تجمع على أنه كتب بين 37 - 64 م .
وأما لغة كتابة هذا الإنجيل فيكاد يُجمع المحققون على أنها العبرانية ، ورأى بعضهم بأنها السريانية أو اليونانية .
ولعل أهم هذه الشهادات شهادة أسقف هرابوليس الأسقف بابياس 155م حين قال : " قد كتب متى الأقوال بالعبرانية ، ثم ترجمها كل واحد إلى اليونانية حسب استطاعته " كما يقول ايريناوس أسقف ليون 200م بأن متى وضع إنجيلاً للعبرانيين كتب بلغتهم .
ولما كانت جميع مخطوطات الإنجيل الموجودة يونانية فقد تساءل المحققون عن مترجم الأصل العبراني إلى اليونانية ، في ذلك أقوال كثيرة لا دليل عليها البتة ، فقيل بأن مترجمه متى نفسه ، وقيل: بل يوحنا الإنجيلي .
والصحيح ما قاله القديس جيروم ( 420م )" أن الذي ترجم متى من العبرانية إلى اليونانية غير معروف"، بل لعل مترجمه أكثر من واحد كما قال بابياس .
وقد قال نورتن الملقب " بحامي الإنجيل " عن عمل هذا المترجم المجهول : " إن مترجم متى كان حاطب ليل ، ما كان يميز بين الرطب واليابس . فما في المتن من الصحيح والغلط ترجمه".
1- التعريف بمتى :
فمن هو متى ؟ وما صلته بالإنجيل المنسوب إليه؟ وهل يحوي هذا الإنجيل كلمة الله ووحيه ؟
في الإجابة عن هذه الأسئلة تناقل المحققون ماذكره علماء النصارى في ترجمة متى ، فهو أحد التلاميذ الاثنى عشر، وكان يعمل عشاراً في كفر ناحوم ، وقد تبع المسيح بعد ذلك .
وتذكر المصادر التاريخية أنه رحل إلى الحبشة ، وقتل فيها عام 70 م ، ولم يذكر في العهد الجديد سوى مرتين كلها في إنجيله ، أما المرة الأولى فعندما نادى عليه المسيح ، وهو في مكان عمله في الجباية ( انظر متى 10/3، ولوقا 6/15 ) والثانية في سياق تعداده لأسماء التلاميذ الاثني عشر (انظر متى 10/3)
وأما في بقية الأناجيل فقد ذكر مرقس أن العشار هو لاوي بن حلفي ( انظر مرقس 2/15 ، ولوقا 5/27 ) ولم يذكرا متى .
وتزعم الكنيسة أن متى العشار هو لاوي بن حلفي .
2- أدلة الكنيسة على صحة نسبة الإنجيل إلى متى :
وتؤكد الكنيسة بأن متى هو كاتب الإنجيل ، وتستند لأمور ذكرها محررو قاموس الكتاب المقدس ، أهمها : " الشواهد والبينات الواضحة من نهج الكتابة بأن المؤلف يهودي متنصر "
وأيضاً " لا يعقل أن إنجيلاً خطيراً كهذا - هو في مقدمة الأناجيل - ينسب إلى شخص مجهول، وبالأحرى أن ينسب إلى أحد تلاميذ المسيح ".
وأيضاً " يذكر بابياس " في القرن الثاني الميلادي أن متى قد جمع أقوال المسيح "
وأخيراً " من المسلم به أن الجابي عادة يحتفظ بالسجلات ، لأن هنا من أهم واجباته لتقديم الحسابات،وكذلك فإن هذا الإنجيلي قد احتفظ بأقوال المسيح بكل دقة ".
3- ملاحظات على إنجيل متى :
ومن خلال ما سبق رأى المحققون أن لا دليل عند النصارى على صحة نسبة الإنجيل لمتى ، بل إن الأدلة قامت بخلافه. إذ في الإنجيل أموراً كثيرة تدل على أن كاتبه ليس متى الحواري ، ومن هذه الأدلة :
- أن متى اعتمد في إنجيله على إنجيل مرقس ، فقد نقل من مرقس 600 فقرة من فقرات مرقس الستمائة والاثني عشر ، كما اعتمد على وثيقة أخرى تسمى M
يقول ج ب فيلبس في مقدمته لإنجيل متى : " إن القديس متى كان يقتبس من إنجيل القديس مرقس ، وكان ينقحه محاولاً الوصول إلى تصور أحسن وأفضل لله ".
ويضيف القس فهيم عزيز أن اعتماد متى على مرقس حقيقة معروفة لدى جميع الدارسين، فإذا كان متى هو كاتب الإنجيل فكيف ينقل عن مرقس الذي كان عمره عشر سنوات أيام دعوة المسيح ؟ كيف لأحد التلاميذ الإثني عشر أن ينقل عنه ؟
- ثم إن إنجيل متى قد ذكر متى العشار مرتين ، ولم يشر من قريب أو بعيد إلى أنه الكاتب ، فقد ذكره بين التلاميذ الإثنى عشر ، ولم يجعله أولاً ولا آخراً ، ثم لما تحدث عن اتباعه للمسيح قال: " وفيما يسوع مجتاز هناك رأى إنساناً جالساً عند مكان الجباية اسمه متى فقال له : اتبعني فقام وتبعه" ( متى 9/9 ) .
فاستخدم أسلوب الغائب ، ولو كان هو الكاتب لقال : " قال لي " ، " تبعته " " رآني "، فدل ذلك على أنه ليس الكاتب ، وهنا يجدر التنبيه على أمر هام ، وهو أن مرقس ذكر القصة ذاتها، وسمى عامل الضرائب لاوي بن حلفي ( انظر مرقس 2/15 ) فهل لاوي بن حلفي هو نفسه متى؟ هل هذا هو الاسم التنصيري للاوي كما تزعم الكنيسة ؟
يقول جون فنتون مفسر متى وعميد كلية اللاهوت بلينشفيلد بأنه لا يوجد دليل على أن متى هو اسم التنصير للاوي ، ويرى أنه من المحتمل " أنه كانت هناك بعض الصلات بين متى التلميذ والكنيسة التي كتب من أجلها هذا الإنجيل، ولهذا فإن مؤلف هذا الإنجيل نسب عمله إلى مؤسس تلك الكنيسة أو معلمها الذي كان اسمه متى، ويحتمل أن المبشر كاتب الإنجيل قد اغتنم الفرصة التي أعطاه إياها مرقس عند الكلام على دعوة أحد التلاميذ ، فربطها بذلك التلميذ الخاص أحد الإثني عشر ( متى ) الذي وقره باعتباره رسول الكنيسة التي يتبعها " .
- ثم إن التمعن في الإنجيل يبين مدى الثقافة التوراتية الواسعة التي جعلت منه أكثر الإنجيليين اهتماماً بالنبوءات التوراتية عن المسيح ، وهذا لا يتصور أن يصدر من عامل ضرائب ، وهذا لن يكون من كتابة متى العشار . يقول أ. تريكو في شرحه للعهد الجديد (1960م ): إن الاعتقاد بأن متى هو عشار في كفر ناحوم ناداه عيسى ليتعلم منه ، لم يعد مقبولاً ، خلافاً لما يزعمه آباء الكنيسة.
وقد أنكر كثير من علماء المسيحية في القديم والحديث صحة نسبة الإنجيل لمتى يقول فاستس في القرن الرابع : " إن الإنجيل المنسوب إلى متى ليس من تصنيفه " ، وكذا يرى القديس وليمس . والأب ديدون في كتابه " حياة المسيح" .
ويقول ج ب فيلبس : " نسب التراث القديم هذه البشارة إلى الحواري متى ، ولكن معظم علماء اليوم يرفضون هذا الرأي " .
ويقول د برونر : " إن هذا الإنجيل كله كاذب " .
ويقول البرفسور هارنج : إن إنجيل متى ليس من تأليف متى الحواري ، بل هو لمؤلف مجهول أخفى شخصيته لغرض ما .
وجاء في مقدمة إنجيل متى للكاثوليك : " أما المؤلف ، فالإنجيل لا يذكر عنه شيئاً وتقاليد الكنيسة تنسبه إلى الرسول متى ، ولكن البحث في الإنجيل لا يثبت ذلك الرأي أو يبطله على وجه حاسم ".
ويقول القس فهيم عزيز عن كاتب متى المجهول: " لا نستطيع أن نعطيه اسماً ، وقد يكون متى الرسول ، وقد يكون غيره " .
ويقول المفسر لإنجيل متى جون فنتون في تفسيره عن كاتب متى : " إن ربط شخصيته كمؤلف بهذا التلميذ إنما هي بالتأكيد محض خيال " .
وقد طعنت في صحة نسبة الإنجيل لمتى فرق مسيحية قديمة ، فقد كانت الفرقة الأبيونية ترى البابين الأولين لإنجيل متى إلحاقيين ، ومثلها فرقة يوني تيرين ، ويرون أن البداية الحقيقية لهذا الإنجيل قوله : " في تلك الأيام جاء يوحنا المعمداني .... " ( متى 3/1 ) فتكون بداية الإنجيل قصة يوحنا المعمداني كما هو الحال في مرقس ويوحنا ، ويدل لذلك أيضاً أن قوله " في تلك الأيام " لا يمكن عوده على ما في الإصحاحين السابقين، إذ كان الحديث في آخر الإصحاح الثاني عن قتل هيرودس للأطفال بعد ولادة المسيح ، وهو زمن طفولة المسيح والمعمدان الذي يكبره بستة أشهر ، بينما الإصحاح الثالث يتحدث عن دعوة المعمداني - أي وهو شاب - ، وهذا يعني وجود سقط أو حذف قبل الإصحاح الثالث ، أو أنه البداية الحقيقية للإنجيل .
5- من الكاتب الحقيقي لإنجيل متى :
وإذا لم يكن متى هو كاتب الإنجيل المنسوب إليه ، فمن هو كاتب هذا الإنجيل ؟
في الإجابة عن السؤال نقول: نتائج الدراسات الغربية التي أكدت أن هذا الإنجيل قد كتبه غير متى التلميذ ، ونسبه إليه منذ القرن الثاني ، ولربما يكون هذا الكاتب تلميذاً في مدرسة متى .
ويحاول كولمان وشراح الترجمة المسكونية تحديد بعض الملامح لهذا الكاتب ، فالكاتب - كما يظهر في إنجيله - مسيحي يهودي يربط بين التوراة وحياة المسيح ، وهو كما يصفه كولمان : يقطع الحبال التي تربطه باليهودية مع حرصه على الاستمرار في خط العهد القديم ، فهو كاتب يهودي يحترم الناموس ، ويعتبر بذلك من البعيدين عن مدرسة بولس الذي لا يحترم الناموس ، بينما يقول هذا الكاتب " فمن نقض إحدى هذه الوصايا الصغرى وعلم الناس ، هكذا يدعى أصغر في ملكوت السماوات "( متى 5/19 ) .
ويرجح كولمان أيضاً أنه عاش في فلسطين ، ويرجح فنتون أنه " كتب في حوالي الفترة من 85 - 105م " (متى مات سنة70) ، وهو يقارب ما ذهب إليه البرفسور هارنج حين قال " إن انجيل متى ألف بين 80 - 100م " .
ولو تساءلنا أين الإنجيل الذي كتبه متى كما جاء في شهادة بابياس في القرن الثاني الميلادي ؟
وفي الإجابة عن السؤال نقول: فإن بابياس ذكر أن متى كتب وجمع أقوال المسيح ، وما نراه في الإنجيل اليوم هو قصة كاملة عن المسيح وليس جمعاً لأقواله ، كما أن عدم صحة نسبة هذا الإنجيل له لا تمنع من وجود إنجيل آخر قد كتبه ، ولعل من المهم أن نذكر بأن في الأناجيل التي رفضتها الكنيسة إنجيلاً يسمى إنجيل متى ، فلعل بابياس عناه بقوله .
وهكذا رأى المحققون أن ثمة أموراً تمنع القول بأن هذا الإنجيل هو كلمة الله ووحيه وهديه، فهو - وكما يقول الشيخ أبو زهرة - إنجيل " مجهول الكاتب ، ومختلف في تاريخ كتابته ، ولغة الكتابة ، ومكانها ، وتحديد من كتب له هذا الإنجيل ، ثم شخصية المترجم وحاله من صلاح أو غيره وعلم بالدين ، واللغتين التي ترجم عنها ، والتي ترجم إليها ، كل هذا يؤدي إلى فقد حلقات في البحث العلمي .
ثانياً : إنجيل مرقس
ثاني الأناجيل التي تطالعنا في العهد الجديد ، وينسب لمرقس . فمن هو مرقس ؟ وماذا عن كاتب هذا الإنجيل ؟ وهل تصح نسبته لمؤلفه ؟ يتكون إنجيل مرقس من ستة عشر إصحاحاً ، تحكي قصة المسيح من لدن تعميده على يد يوحنا المعمداني إلى قيامة المسيح بعد قتله على الصليب .
وهو أقصر الأناجيل - ويعتبره النقاد - كما يقول ولس - أصح إنجيل يتحدث عن حياة المسيح ، ويكاد يجمع النقاد على أنه أول الأناجيل تأليفاً ، وأن إنجيل متى قد نقل عنه . يقول العالم رويس الألماني : إنه كان الأصل الذي اقتبس منه إنجيلا متى ولوقا ، وهذا الإنجيل هو الوحيد بين الأناجيل المسمى بإنجيل المسيح ، إذ أول فقرة فيه " بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله " ( مرقس 1/1 ) .
وتزعم المصادر النصرانية أن مرقس كتب إنجيله في روما ، ولعله في الإسكندرية ، وأن كتابته تمت - على اختلاف في هذه المصادر - بين عام 39 - 75م ، وإن رجح أكثرها أن كتابته بين 44 - 75م معتمدين على شهادة المؤرخ ايرينايوس الذي قال : " إن مرقس كتب إنجيل بعد موت بطرس وبولس " . ويرى سبينوزا أن هذا الإنجيل كتب مرتين إحداهما قبل عام 180م والثانية بعده.
وأما لغة هذا الإنجيل ، فتكاد المصادر تتفق على أنها اليونانية ، وذكر بعضهم أنها الرومانية أو اللاتينية .
وأقدم ذكر لهذا الإنجيل ورد على لسان المؤرخ بابياس ( 140م ) حين قال : " إن مرقس ألف إنجيله من ذكريات نقلها إليه بطرس " .
1- من هو مرقس ؟
وتناقل المحققون ما رددته المصادر النصرانية في ترجمة مرقس ، والتي يجمعها ما جاء في قاموس الكتاب المقدس عنه ، فهو الملقب بمرقس ، واسمه يوحنا ، وقد رافق مرقس برنابا وبولس في رحلتهما ، ثم فارقهما ، ثم عاد لمرافقة بولس .
ويتفق المترجمون له على أنه كان مترجماً لبطرس الذي له علاقة بهذا الإنجيل .
ويذكر المؤرخ يوسيبوس أنه - أي مرقس - أول من نادى برسالة الإنجيل في الإسكندرية، وأنه قتل فيها .
قال بطرس قرماج في كتابه " مروج الأخبار في تراجم الأبرار " عن مرقس : "كان ينكر ألوهية المسيح " .
2- ملاحظات على إنجيل مرقس :
وقد توقف المحققون ملياً مع هذا الإنجيل وكاتبه ، وكانت لهم ملاحظات : -
أن مرقس ليس من تلاميذ المسيح ، بل هو من تلاميذ بولس وبطرس . يقول المفسر نينهام مفسر لوقا : " لم يوجد أحد بهذا الاسم عرف أنه كان على صلة وثيقة ، وعلاقة خاصة بيسوع ، أو كانت له شهرة خاصة في الكنيسة الأولى " .
وثمة دليل قوي آخر هو شهادة المؤرخ بابياس ( 140م ) حين قال : " اعتاد الشيخ يوحنا أن يقول : إذ أصبح مرقس ترجماناً لبطرس دون بكل تدقيق كل ما تذكره ، ولم يكن مع هذا بنفس الترتيب المضبوط ما رواه من أقوال وأفعال يسوع المسيح ، وذلك لأنه لم يسمع من السيد المسيح فضلاً عن أنه لم يرافقه ، ولكن بالتبعية كما قلت ، التحق ببطرس الذي أخذ يصوغ تعاليم يسوع المسيح لتوائم حاجة المستعمين ، وليس بعمل رواية وثيقة الصلة بيسوع وعن يسوع لأحاديثه " .
كما يقول مفسر مرقس دنيس نينهام قوله " من غير المؤكد صحة القول المأثور الذي يحدد مرقس كاتب الإنجيل بأنه يوحنا مرقس المذكور في ( أعمال الرسل 12/12 ، 25 ) ... أو أنه مرقس المذكور في رسالة بطرس الأولى ( 5/13 ) .. أو أنه مرقس المذكور في رسائل بولس ...
لقد كان من عادة الكنيسة الأولى أن تفترض جميع الأحداث التي ترتبط باسم فرد ورد ذكره في العهد الجديد ، إنما ترجع جميعها إلى شخص واحد له هذا الاسم ، ولكن عندما نتذكر أن اسم مرقس كان أكثر الأسماء اللاتينية شيوعاً في الإمبراطورية الرومانية ، فعندئذ نتحقق من مقدار الشك في تحديد الشخصية في هذه الحالة " .
وأهم مسألة شغلت الباحثين بخصوص هذا الإنجيل خاتمته ، فإن خاتمة هذا الإنجيل (16/9 - 20 ) غير موجودة في المخطوطات القديمة المهمة كمخطوطة الفاتيكان والمخطوطة السينائية .
ويقول وليم باركلي : إن النهاية المشهورة - علاوة على عدم وجودها في النسخ الأصلية القديمة - فإن أسلوبها اللغوي يختلف عن بقية الإنجيل ، وقد اعتبرتها النسخة القياسية المراجعة فقرات غير موثوق فيها ، ونقل رحمة الله الهندي أن القديس ( جيروم ) في القرن الخامس ذكر بأن الآباء الأوائل كانوا يشكون في هذه الخاتمة .
وعن الخاتمة الموجودة يقول الأب كسينجر " لابد أنه قد حدث حذف للآيات الأخيرة عند الاستقبال الرسمي ( النشر للعامة ) لكتاب مرقس في الجماعة التي ضمنته .
وبعد أن جرت بين الأيدي الكتابات المتشابهة لمتى ولوقا ويوحنا ، تم توليف خاتمة محترمة لمرقس بالعناصر من هنا ومن هناك لدى المبشرين الآخرين .. وذلك يسمح بتكوين فكرة عن الحرية التي كانوا يعالجون بها الأناجيل " ويعلق موريس بوكاي قائلاً " ياله من اعتراف صريح بوجود التغييرات التي قام بها البشر على النصوص المقدسة .
هو ثالث الأناجيل وأطولها ، ويتكون من أربعة وعشرين إصحاحاً يتحدث الإصحاحان الأولان عن النبي يحيى وولادة المسيح ، ثم تكمل بقية الإصحاحات سيرة المسيح إلى القيامة بعد الصلب.
وأما كتابة هذا الإنجيل فتختلف المصادر في تحديد زمنها بين 53 - 80 م ، وقد اعتمد الكاتب في مصادره على مرقس ، فنقل عنه ثلاثمائة وخمسين من فقراته التي بلغت ستمائة وإحدى وستين فقرة ، كما نقل عن متى أو عن مصدر أخر مشترك بينه وبين متى .
1- من هو لوقا :
وتنسب الكنيسة هذا الإنجيل إلى القديس لوقا ، ولا تذكر المصادر النصرانية الكثير عن ترجمته ، لكنها تتفق على أنه لم يكن من تلاميذ المسيح كما يتضح من مقدمته إذ يقول : " إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا ،كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداماً للكلمة "( لوقا 1/1 ) .
وتتفق المصادر أيضاً في أنه لم يكن يهودياً ، وأنه رفيق بولس المذكور في كولوسي 4/14 وغيرها ، وأنه كتب إنجيله من أجل صديقه ثاوفيلس " أكتب على التوالي وإليك أيها العزيز ثاوفيلس ، لتعرف صحة الكلام الذي علمت به " ( لوقا 1/3 - 4 ) .
وتختلف المصادر في تحديد شخصية ثاوفيلس ، فقال بعضهم : كان من كبار الموظفين الرومان , وقال آخرون : من اليونان , وقال آخرون : بل كان مصرياً من أهل الإسكندرية . وتكاد تتفق المصادر على لوقا أنه كتب له باليونانية، وأما لوقا ، فقيل بأنه كان رومانياً . وقيل إنطاكياً ، وقيل غير ذلك .
وعن مهنته ، قيل بأنه كان طبيباً ، وقيل: كان مصوراً، لكنه على أي حال مثقف وكاتب قصص ماهر .
2- ملاحظات على إنجيل لوقا :
ويلحظ المحققون على إنجيل لوقا ملاحظات ، أهمها :
1- أن مقدمته تتحدث عن رسالة طابعها شخصي ، وأنها تعتمد على اجتهاده لا على إلهام وحي ، وكان قد لاحظ ذلك أيضاً عدد من محققي النصرانية ، فقد أنكر إلهامية هذا الإنجيل عدد من النصارى منهم مستر كدل في كتابه " رسالة الإلهام " ومثله واتسن، ونسب هذا القول للقدماء من العلماء ، وقال القديس أغسطينوس : " إني لم أكن أؤمن بالإنجيل لو لم تسلمني إياه الكنيسة المقدسة".
2- شك كثير من الباحثين في الإصحاحين الأولين من هذا الإنجيل ، بل إن هذا الشك كما ذكر جيروم يمتد إلى الآباء الأوائل للكنيسة ، وكذلك فرقة مارسيوني فليس في نسختها هذين الإصحاحين .
ويؤكد المحققون بأن لوقا لم يكتب هذين الإصحاحين ، لأنه يقول في أعمال الرسل " الكلام الأول أنشأته ياثاوفيلس عن جميع ما ابتدأ يسوع " ( أعمال 1/1 ) أي معجزاته بدليل تكملة النص " ما ابتدأ يسوع يعلم به إلى اليوم الذي ارتفع فيه " ( أعمال 1/2 ) والإصحاحان الأولان إنما يتكلمان عن ولادة المسيح ، لا عن أعماله . ونقل وارد كاثلك عن جيروم قوله : بأن بعض العلماء المتقدمين كانوا يشكون أيضاً في الباب الثاني والعشرين من هذا الإنجيل .
وهكذا نرى للإنجيل أربعة من الكتاب تناوبوا في كتابة فقراته وإصحاحاته .
3- إن الغموض يلف شخصيته ، فهو غير معروف البلد ولا المهنة ولا الجهة التي كتب لها إنجيله تحديداً ، ولا تاريخ الكتابة و .... المعروف فقط أنه من تلاميذ بولس ، وأنه لم يلق المسيح ، فكيف يصح الاحتجاج بمن هذا حاله وجعل كلامه مقدساً ؟
رابعاً : إنجيل يوحنا
رابع الأناجيل إنجيل يوحنا ، وهو أكثر الأناجيل إثارة وأهمية إذ أن هذا الإنجيل كتب لإثبات لاهوت المسيح .
ويتكون هذا الإنجيل من واحد وعشرين إصحاحاً تتحدث عن المسيح بنمط مختلف عن الأناجيل الثلاثة ، ويرى المحققون أن كتابته جرت بين 68 - 98م وقيل بعد ذلك ، وتنسب الكنيسة هذا الإنجيل ليوحنا الصياد.
ولغة هذا الإنجيل - باتفاق - هي اليونانية ، واختلف في مكان كتابته ، والأغلب أنه في تركيا - وتحديداً في أفسس أو أنطاكيا - ، وقيل الإسكندرية .
1- من هو يوحنا الصياد :
يوحنا بن زبدى الصياد ، وهو صياد سمك جليلي تبع وأخوه يعقوب المسيح ، كما أن والدته سالومة كانت من القريبات إلى المسيح، ويرجح محررو القاموس بأنها أخت مريم والدة المسيح، وقد عاش حتى أواخر القرن الميلادي الأول ، وقال ايرنيموس بأنه عاش إلى سنة 98م ، وتذكر الكنيسة أنه كتب إنجيله في أفسس قبيل وفاته.
2- أدلة النصارى على نسبة الإنجيل إلى يوحنا :
وتستدل الكنيسة لتصحيح نسبة هذا الإنجيل بأدلة ذكرها محررو قاموس الكتاب المقدس وهي : -
(1) كان كاتب الإنجيل يهودياً فلسطينياً ، ويظهر هذا من معرفته الدقيقة التفصيلية لجغرافية فلسطين ، والأماكن المتعددة في أورشليم وتاريخ وعادات اليهود …ويظهر من الأسلوب اليوناني للإنجيل بعض التأثيرات السامية .
(2) كان الكاتب واحداً من تلاميذ المسيح ، ويظهر هذا من استخدامه المتكلم الجمع .. وفي ذكر كثير من التفاصيل الخاصة بعمل المسيح ومشاعر تلاميذه ... ويتضح من ( يوحنا 21/24 ) أن كاتب هذا الإنجيل كان واحداً من تلاميذ المسيح .
(3) كان كاتب الإنجيل هو التلميذ الذي كان المسيح يحبه .. وكان هذا التلميذ هو يوحنا نفسه " .
ويتحدث مؤلف الإنجيل عن سبب تأليفه له فيقول " أما هذه فقد كتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله، ولكي تكون - إذا آمنتم - حياة باسمه " ( يوحنا 20/31 ) ".
ويوضح محررو قاموس الكتاب المقدس فيقولون : " كان الداعي الآخر إلى كتابة الإنجيل الرابع تثبيت الكنيسة الأولى في الإيمان بحقيقة لاهوت المسيح وناسوته ، ودحض البدع المضلة التي كان فسادها آنذاك قد تسرب إلى الكنيسة ، كبدع الدوكينيين والغنوصيين والكيرنثيين والأبيونيين ... ولهذا كانت غايته إثبات لاهوت المسيح " .
وقد لقي هذا الإنجيل معارضة شديدة للإقرار بقانونيته ، فاندفع د. بوست في قاموس الكتاب المقدس يدافع عنه ويقول : " وقد أنكر بعض الكفار قانونية هذا الإنجيل لكراهتهم تعليمه الروحي ، ولا سيما تصريحه الواضح بلاهوت المسيح ، غير أن الشهادة بصحته كافية .
فإن بطرس يشير إلى آية منه ( بطرس (2) 1/14 ، يوحنا 21/18 ) وأغناطيوس وبوليكرس يقتطفان من روحه وفحواه ، وكذلك الرسالة إلى ديوكينتس وباسيلوس وجوستينوس الشهيد وتايناس ، وهذه الشواهد يرجع بنا زمانها إلى منتصف القرن الثاني .
وبناءً على هذه الشهادات ، وعلى نفس كتابه الذي يوافق ما نعلمه من سيرة يوحنا نحكم بأنه من قلمه ، وإلا فكاتبه من المكر والغش على جانب عظيم، وهذا الأمر يعسر تصديقه، لأن الذي يقصد أن يغش العالم لا يكون روحياً".
3- إنكار صحة نسبة الإنجيل إلى يوحنا :
وتوجهت جهود المحققين لدراسة نسبة الإنجيل ليوحنا ، ومعرفة الكاتب الحقيقي له , فقد أنكر المحققون نسبة الإنجيل ليوحنا الحواري ، واستندوا في ذلك إلى أمور منها :
1- أن ثمة إنكار قديماً لصحة نسبته ليوحنا ، وقد جاء هذا الإنكار على لسان عدد من الفرق النصرانية القديمة ، منها فرقة ألوجين في القرن الثاني ، ويقول صاحب كتاب ( رب المجد ) : " وجد منكرو لاهوت المسيح أن بشارة يوحنا هي عقبة كؤود ، وحجر عثرة في سبيلهم ، ففي الأجيال الأولى رفض الهراطقة يوحنا ".
وتقول دائرة المعارف البريطانية: " هناك شهادة إيجابية في حق أولئك الذين ينتقدون إنجيل يوحنا ، وهي أنه كانت هناك في آسيا الصغرى طائفة من المسيحيين ترفض الاعتراف بكونه تأليف يوحنا ، وذلك في نحو 165م ، وكانت تعزوه إلى سرنتهن (الملحد) ولا شك أن عزوها هذا كان خاطئاً .
لكن السؤال عن هذه الطبقة المسيحية البالغة في كثرة عددها إلى أن رآه سانت اييفانيوس جديرة بالحديث الطويل عنها في ( 374 - 377م ) " أسماها القس " ألوغي " ( أي معارضة الإنجيل ذي الكلمة ) .
لئن كانت أصلية إنجيل يوحنا فوق كل شبهة ، فهل كانت مثل هذه الطبقة لتتخذ نحوه أمثال هذه النظريات في مثل هذا العصر ، ومثل هذا البلد ؟ لا وكلا ".
ومما يؤكد خطأ نسبة هذا الإنجيل إلى يوحنا أن جاستن مارتر في منتصف القرن الثاني تحدث عن يوحنا، ولم يذكر أن له إنجيلاً ، واقتبس فيلمو - 165م - من إنجيل يوحنا ، ولم ينسبه إليه .
وقد أُنكر نسبة الإنجيل أمام أرينيوس تلميذ بوليكارب الذي كان تلميذاً ليوحنا ، فلم ينكر أرينيوس على المنكرين ، ويبعد كل البعد أن يكون قد سمع من بوليكارب بوجود إنجيل ليوحنا ، ثم لا يدافع عنه .
وقد استمر إنكار المحققين نسبة هذا الإنجيل عصوراً متلاحقة ، فجاءت الشهادات تلو الشهادات تنكر نسبته ليوحنا . منها ما جاء في دائرة المعارف الفرنسية : " ينسب ليوحنا هذا الإنجيل وثلاثة أسفار أخرى من العهد الجديد ، ولكن البحوث الحديثة في مسائل الأديان لا تسلم بصحة هذه النسبة .
ويقول القس الهندي بركة الله : " الحق أن العلماء باتوا لا يعترفون دونما بحث وتمحيص بالنظرية القائلة بأن مؤلف الإنجيل الرابع كان القديس يوحنا بن زبدى الرسول ، ونرى النقاد بصورة عامة على خلاف هذه النظرية " .
وعند تفحص الإنجيل أيضاً تجد ما يمتنع معه نسبته الإنجيل للحواري يوحنا ، فالإنجيل يظهر بأسلوب غنوصي يتحدث عن نظرية الفيض المعروفة عند فيلون الإسكندراني ، ولا يمكن لصائد السمك يوحنا أن يكتبه خاصة أن يوحنا عامي كما وصفه سفر أعمال الرسل " فلما رأوا مجاهرة بطرس ويوحنا ، ووجدوا أنهما إنسانان عديما العلم وعاميان تعجبوا " ( أعمال 4/13 ) .
وتقول دائرة المعارف البريطانية : " أما إنجيل يوحنا ، فإنه لا مرية ولا شك كتاب مزور ، أراد صاحبه مضادة حواريين لبعضهما ، وهما القديسان متى ويوحنا .... وإنا لنرأف ونشفق على الذين يبذلون منتهى جهدهم ، وليربطوا ولو بأوهى رابطة ذلك الرجل الفلسفي الذي ألّف هذا الكتاب في الجيل الثاني بالحواري يوحنا الصياد الجليلي ، فإن أعمالهم تضيع عليهم سدى ، لخبطهم على غير هدى ".
وأما ما جاء في خاتمة الإنجيل مما استدل به القائلون بأن يوحنا هو كاتب الإنجيل وهو قوله " هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذا ، وكتب هذا ، ونعلم أن شهادته حق " ( يوحنا 21 / 24 ) فهذه الفقرة كما يقول المحققون دليل على عدم صحة نسبة الإنجيل ليوحنا ، إذ هي تتحدث عن يوحنا بصيغة الغائب .
ويرى ويست أن هذه الفقرة كانت في الحاشية ، وأضيفت فيما بعد للمتن ، وربما تكون من كلمات شيوخ أفسس . ويؤيده بشب غور بدليل عدم وجودها في المخطوطة السينائية .
ويرى العلامة برنت هلمين استرتير في كتابه " الأناجيل الأربعة " أن الزيادات في متن يوحنا وآخره كان الغرض منها " حث الناس على الاعتراف في شأن المؤلف بتلك النظرية التي كان ينكرها بعض الناس في ذلك العصر" .
ثم إن بعض المؤرخين ومنهم تشارلز الفريد ، وروبرت إيزلز وغيرهما قالوا بأن يوحنا مات مشنوقاً سنة 44م على يد غريباس الأول ، وعليه فليس هو مؤلف هذا الإنجيل، إذ أن هذا الإنجيل قد كتب في نهاية القرن الأول أو أوائل الثاني .
4- من كتب إنجيل يوحنا ؟
وإذا لم يكن يوحنا هو كاتب الإنجيل ، فمن هو الكاتب الحقيقي ؟
يجيب القس فهيم عزيز : " هذا السؤال صعب ، والجواب عنه يتطلب دراسة واسعة غالباً ما تنتهي بالعبارة : لا يعلم إلا الله وحده من الذي كتب هذا الإنجيل " .
وحاول البعض الإجابة عن السؤال من خلال تحديد صفات كاتب الإنجيل دون ذكر اسم معين، يقول جرانت: " كان نصرانياً ، وبجانب ذلك كان هيلينياً ، ومن المحتمل أن لا يكون يهودياً ، ولكنه شرقي أو إغريقي ، ونلمس هذا من عدم وجود دموع في عينيه علامة على الحزن عندما كتب عن هدم مدينة لليهود " .
وجاء في مدخل الإنجيل أن بعض النقاد " يترك اسم المؤلف ، ويصفونه بأنه مسيحي كتب باليونانية في أواخر القرن الأول في كنائس آسيا " .
وقال مفسر إنجيل يوحنا جون مارش : " ومن المحتمل أنه خلال السنوات العشر الأخيرة من القرن الأول الميلادي قام شخص يدعى يوحنا ، من الممكن أن يكون يوحنا مرقس خلافاً لما هو شائع من أنه يوحنا بن زبدى .. وقد تجمعت لديه معلومات وفيرة عن يسوع ، ومن المحتمل أنه كان على دراية بواحد أو أكثر من الأناجيل المتشابهة ، فقام حينئذ بتسجيل جديد لقصة يسوع ".
وقال المحقق رطشنبدر : " إن هذا الإنجيل كله ، وكذا رسائل يوحنا ليست من تصنيفه ، بل صنفها أحد في ابتداء القرن الثاني ، ونسبه إلى يوحنا ليعتبره الناس " .
ويوافقه استادلن ويرى أن الكاتب " طالب من طلبة المدرسة الإسكندرية ".
وقال الخوري في " تحفة الجيل " بأن كاتب الإنجيل هو تلميذ يوحنا المسمى بروكلوس.
وقال بعض المحققين ومنهم جامس ماك كينون ، واستيريتر في كتابه " الأناجيل الأربعة " بأن يوحنا المقصود هو تلميذ آخر من تلاميذ المسيح وهو ( يوحنا الأرشد ) ، وأن أرينوس الذي نسب إنجيل يوحنا لابن زبدى قد اختلط عليه أمر التلميذين .
وذكر جورج إيلتون في كتابه " شهادة إنجيل يوحنا " أن كاتب هذا الإنجيل أحد ثلاثة : تلميذ ليوحنا الرسول أو يوحنا الشيخ ( وليس الرسول ) أو معلم كبير في أفسس مجهول الهوية .
لكن ذلك لم يفت في عضد إيلتون الذي ما زال يعتبر إنجيل يوحنا مقدساً ، لأنه " مهما كانت النظريات حول كاتب هذا الإنجيل، فإن ما يتضح لنا جلياً بأن كاتبه كان لديه فكرة الرسول ، فإذا كتبه أحد تلاميذه فإنه بلا مراء كان مشبعاً بروحه .. ".
كما ذهب بعض المحققين إلى وجود أكثر من كاتب للإنجيل ، منهم كولمان حين قال : " إن كل شيء يدفع إلى الاعتقاد بأن النص المنشور حالياً ينتمي إلى أكثر من مؤلف واحد ، فيحتمل أن الإنجيل بشكله الذي نملكه اليوم قد نشر بواسطة تلاميذ المؤلف ، وأنهم قد أضافوا إليه "، ومثله يقول المدخل لإنجيل يوحنا .
ومن هذا كله ثبت أن إنجيل يوحنا لم يكتبه يوحنا الحواري ، ولا يعرف كاتبه الحقيقي ، ولا يصح بحال أن ننسب العصمة والقداسة لكاتب مجهول لا نعرف من يكون .
وعند غض الطرف عن مجهولية الكاتب واستحالة القول بعصمته عندئذ ، فإن ثمة مشكلات تثار في وجه هذا الإنجيل نبه المحققون إليها منها : اختلاف هذا الإنجيل عن باقي الأناجيل الثلاثة رغم أن موضوع الأناجيل الأربعة هو تاريخ المسيح .
إذ تتشابه قصة المسيح في الأناجيل الثلاثة ، بينما يظهر الإنجيل الرابع غريباً بينها ، فمثلاً : هو الإنجيل الوحيد الذي تظهر فيه نصوص تأليه المسيح ، بل هو أنشىء لإثبات ذلك كما يقول المفسر يوسف الخوري: " إن يوحنا صنف إنجيله في آخر حياته بطلب من أساقفة كنائس آسيا وغيرها ، والسبب : أنه كانت هناك طوائف تنكر لاهوت المسيح " .
ولما لم يكن في الأناجيل الثلاثة ما يدفع أقوال هذه الطوائف ، أنشأ يوحنا إنجيله ، وهذا المعنى يؤكده جرجس زوين، فيقول عن أساقفة آسيا أنهم اجتمعوا " والتمسوا منه أن يكتب عن المسيح ، وينادي بإنجيل مما لم يكتبه الإنجيليون الآخرون " .
ويقول الأب روغيه في كتابه المدخل إلى الإنجيل :" إنه عالم آخر ، فهو يختلف عن بقية الأناجيل في اختيار الموضوعات والخطب والأسلوب والجغرافيا والتاريخ ، بل والرؤيا اللاهوتية " .
وهذه المغايرة أوصلته إلى تقديم صورة للمسيح مغايرة تماماً عما في الأناجيل الثلاثة والتي يسميها البعض : " المتشابهة " أو " الإزائية " ، لذا تقول دائرة المعارف الأمريكية: " من الصعب الجمع بين هذا الإنجيل والأناجيل الثلاثة ، بمعنى أن لو قدرنا أنها صحيحة لتحتم أن يكون هذا الإنجيل كاذباً " .
يقول السير آرثر فندلاي في كتابه " الكون المنشور " معبرا عن هذا الاختلاف : " إن إنجيل يوحنا ليس له قيمة تستحق الذكر في سرد الحوادث الأكيدة ، ويظهر أن محتوياته لعب فيها خيال الكاتب دوراً بعيداً ".
ومن المشكلات التي تواجه هذا الإنجيل أيضاً أن أيدي المحرفين نالت هذا الإنجيل ، فأضافت فيه رواية المرأة الزانية ( انظر يوحنا 8/1 - 11 ) والتي يقول عنها مدخل هذا الإنجيل: " هناك إجماع على أنها من مرجع مجهول في زمن لاحق". وقد حذفت هذه القصة من النسخة القياسية المراجعة ( (R. S. V) لاعتبارها عبارة دخيلة على الإنجيل .
يلحق بالأناجيل الأربعة عدد من الرسائل وهي : ( سفر أعمال الرسل - رسائل بولس الأربع عشر - رسالة يعقوب - رسالتا بطرس - رسائل يوحنا الثلاث - رسالة يهوذا - رؤيا يوحنا اللاهوتي) .
1- أعمال الرسل :
ويتكون هذا السفر من ثمان وعشرين إصحاحاً تتحدث عن الأعمال التي قام بها الحواريون والرسل الذي نزل عليهم روح القدس يوم الخمسين ( 2/1 - 4 ) ، من دعوة ومعجزات ، كما يتحدث عن شاول ودعوته ورحلاته وقصة تنصره وبعض معجزاته .
وينسب هذا السفر إلى لوقا مؤلف الإنجيل الثالث حيث جاء في افتتاحيته : " الكلام الأول أنشأته ياثاوفيلس عن جميع ما ابتدأ يسوع يفعله .... " ( أعمال 1/1 ) .
ولكن يبطله تناقض إنجيل لوقا مع سفر الأعمال في مسألة الصعود إلى السماء إذ يفهم من إنجيل لوقا أن صعود المسيح للسماء كان في يوم القيامة ( لوقا 24/13 - 51 ) وفي أعمال الرسل يتحدث عن ظهور المسيح بعد القيامة " أربعين يوماً " ( أعمال 1/3 ) وهذا الاختلاف يكذب الرأي القائل بأن كاتب الإنجيل والسفر واحد .
2- رسائل بولس :
وتنسب هذه الرسائل إلى القديس بولس ، وتمتلئ بعبارات تدل على أنه كاتبها .وهذه الرسائل أربع عشرة رسالة.
وتصطبغ الرسائل أيضاً بالصبغة الشخصية لبولس ، فهي ليست لاهوتية الطابع ، بل رسائل شخصية لها ديباجة وخاتمة ...
وليس ثمة إجماع على صحة نسبة هذه الرسائل إلى بولس ، بل إن بعض المحققين يميل إلى أن أربع رسائل منسوبة إليه كتبت بيد بعض تلاميذه بعد وفاته بعشرين سنة كما ذكرت دائرة المعارف البريطانية.
ويشكك أرجن في شرحه لإنجيل يوحنا بجميع رسائل بولس المرسلة إلى الكنائس فيقول : " إن بولس ما كتب شيئاً إلى جميع الكنائس ، والذي كتبه هو سطران أو أربعة سطور ".
أما الرسالة إلى العبرانيين خصوصاً فكان النزاع حولها أشد ، فحين تنسبها الكنيسة الشرقية إلى بولس فإن لوثر يقول بأنها من وضع أبلوس ، بينما يقول تارتوليان المؤرخ في القرن الميلادي الثاني : " إنها من وضع برنابا " ويقول راجوس ( من علماء البروتستانت ) : " إن فريقاً من علماء البروتستانت يعتقدون كذب الرسالة العبرانية ..." .
3- الرسائل الكاثوليكية ورؤيا يوحنا اللاهوتي :
وهذه الرسائل سبع رسائل ثلاث منها ليوحنا، وثنتان لبطرس، وواحدة لكل من يهوذا ويعقوب ثم رؤيا يوحنا اللاهوتي.
وعرف المحققون بأصحاب هذه الرسائل وهم من التلاميذ الإثنى عشر.
فبطرس هو صياد سمك في كفر ناحوم ، ويعرف بسمعان ، ويرجح محررو قاموس الكتاب المقدس أنه كان من تلاميذ يوحنا المعمدان قبل أن يصحب المسيح ، ويتقدم على سائر تلاميذه ، وقد دعا في أنطاكية وغيرها ، ثم قتل في روما في منتصف القرن الميلادي الأول.
ويذكر بطرس قرماج في " مروج الأخبار " أن بطرس ومرقس ينكران ألوهية المسيح .
وأما يعقوب فهو ابن زبدى الصياد - أخو يوحنا الإنجيلي - من المقربين للمسيح ، وقد تولى رئاسة مجمع أورشليم سنة 34م ، وقد كانت وفاته قتلاً على يد أغريباس الأول عام 44م على الأرجح ، وقال آخرون : قتله اليهود حين طرحوه من جناح الهيكل ورموه بالحجارة سنة 62م .
وأما يهوذا فلا تقدم المصادر عنه تعريفاً سوى أن تذكر أنه اختلف فيه هل هو يهوذا أخو يعقوب الصغير أي انه ابن زبدى ، أم أنه الحواري الذي يدعى لباوس الملقب تداوس ؟ .
وهذه الرسائل تعليمية في محتوياتها ، شخصية في طريقة تدبيجها ، تحوي في مقدمتها اسم مؤلفها غالباً .
ورغم ذلك فإن نسبة هذه الرسائل كانت محل جدل طويل في قرون النصرانية الأولى ، وينطبق على أكثرها ما ذكرناه في رسالة بولس إلى العبرانيين ، حيث تأخر الاعتراف إلى أواسط القرن الرابع الميلادي برسالة بطرس الثانية ورسالتي يوحنا الثانية والثالثة ورسالتي يعقوب ويهوذا ، ورؤيا يوحنا اللاهوتي الذي كان موضع جدل كبير قبل إقراره، إذ يحوي هذا السفر رؤيا منامية غريبة هدفها تقرير ألوهية المسيح ، وإثبات سلطانه في السماء ، وخضوع الملائكة له ، إضافة إلى بعض التنبؤات المستقبلية التي صيغت بشكل رمزي وغامض .
ويسيء النص بل ويلحد، وهو يصف الله أنه على شكل خروف رآه يوحنا جالساً على عرشه، فيقول: "من أجل ذلك هم أمام عرش الله، ويخدمونه نهاراً وليلاً في هيكله، والجالس على العرش يحل فوقهم. لن يجوعوا بعد ولن يعطشوا بعد، ولا تقع عليهم الشمس ولا شيء من الحرّ، لأن الخروف الذي في وسط العرش يرعاهم ويقتادهم إلى ينابيع ماء حيّة، ويمسح الله كل دمعة من عيونهم..." (الرؤيا 7/15-18).
ويمضي النص فيتحدث عن حرب التنين وملائكته مع الخروف الجالس على العرش وملائكته، ويتنبئ بهزيمة التنين " هؤلاء سيحاربون الخروف، والخروف يغلبهم، لأنه رب الأرباب وملك الملوك، والذين معه مدعوون ومختارون ومؤمنون" (الرؤيا 17/14).
وهذه الرؤيا رآها يوحنا في منامه وهي مسطرة في سبعة وعشرين صفحة !! ومثل هذا يستغرب في المنامات ولا يعهد.
وقد شكك آباء الكنيسة الأوائل كثيراً في هذا السفر , يقول ( كيس برسبتر الروم ) 212م : " إن سفر المشاهدات ( الرؤيا ) من تصنيف سرنتهن الملحد " ، ومثله قاله ديونسيش من القدماء .
ويقول المدخل لهذا السفر قوله " لا يأتينا سفر يوحنا بشيء من الإيضاح عن كاتبه لقد أطلق على نفسه اسم يوحنا ، ولقب نبي ، ولم يذكر قط أنه أحد الإثنى عشر . هناك تقليد كنسي وهو أن كاتب الرؤيا هو الرسول يوحنا .. بيد أنه ليس في التقليد القديم إجماع على ذلك ، وقد بقي المصدر الرسولي لسفر الرؤيا عرضة للشك ، وآراء المفسرين في عصرنا متشعبة ، ففيهم من يؤكد أن الاختلاف في الإنشاء والبيئة والتفكير اللاهوتي تجعل نسبة الرؤيا والإنجيل الرابع إلى كاتب واحد أمراً عسيراً .
يخالفهم آخرون يرون أن الرؤيا والإنجيل يرتبطان بتعليم الرسول على يد كتبة ينتمون إلى بيئات أفسس" .
ومما نقله المحققون في تكذيب نسبة الرسائل الكاثوليكية أو بعضها على الأقل تكذيب هورن لها ، واحتج بعدم وجودها في الترجمة السريانية.
ونقل راجوس تكذيب علماء البروتستانت صحة نسبتها للحواريين ، ويقول جيمس ميك : إن الدلائل تثبت أن كاتب هذه الرسالة (رسالة يعقوب) ليس يعقوب .
وقال المؤرخ يوسي بيس في تاريخه " ظُن أن هذه الرسالة جعلية ، لكن كثيراً من القدماء ذكروها ، وكذا ظُن في حق رسالة يهوذا، لكنها تستعمل في كثير من الكنائس".
وعن رسالة يهوذا يقول المحقق كروتيس في كتابه " تاريخ البيبل " : " هذه الرسالة رسالة يهوذا الأسقف الذي كان خامس عشر من أساقفة أورشليم في عهد سلطنة أيد دين " ، فجعل هذا المحقق رسالة يهوذا من عمل أسقف عاش في القرن الثاني الميلادي .
كما لا تسلم الكنيسة السريانية حتى الآن بصحة الرسالة الثانية لبطرس ، والثانية والثالثة ليوحنا ، ويقول اسكالجر : من كتب الرسالة الثانية لبطرس فقد ضيع وقته .????مصادر الأناجيل المسيحية
عندما يتحدث النصارى عن إلهامية الأناجيل والرسائل يفهم منه أن ما كتبه الإنجيليون وحي الله الذي صاغه بعض البشر بعباراتهم وأساليبهم بعد أن ألهمهم روح القدس ما كانوا يكتبونه .
ولما ثبت لدينا براءة روح القدس من هذه الأناجيل وجهالة أصحابها ، وبطلان دعوى الإلهام المزعومة تساءل المحققون عن مصدر هذه الأناجيل وعن علاقة مواد بعضها ببعض، وهل من سبيل لمعرفة المصادر التي لجأ إليها الكاتبون الذين نسميهم متى ويوحنا ومرقس ولوقا ، مجازاً ومجاراة لـلعرف السائد فحسب ؟
منذ القرن الخامس الميلادي حاول النصارى من خلال النظر في التشابه فيما بين الأناجيل معرفة مصادر هذه الأناجيل ، وسجلت أول محاولة على يد القديس أوغسطين الذي قال بأن مرقس اقتبس من إنجيل متى ولخصه ، وأما لوقا فاستعمل في كتابته الإنجيلين .
وبقي رأي أوغسطين سائداً حتى نهاية القرن التاسع عشر، حيث أظهرت الدراسات الحديثة نظريات أخرى مخالفة لنظرية أوغسطين وأكثر دقة منها .
وقد لاحظ المحققون وجود تشابه كبير بين الأناجيل الثلاثة، ورأوا أن هؤلاء الإنجيليين نقل بعضهم من بعض، وقبل أن نذكر أهم هذه النظريات، لنقف على مدى التقارب بين الأناجيل الثلاثة التي يسميها البعض الإزائية أو المشتركة ( متى ومرقس ولوقا ) نتأمل الجدول التالي، وأما إنجيل يوحنا فهو إنجيل مختلف تماماً عن هذه الأناجيل الثلاثة.
البيانات والمعلومات متى مرقس لوقا
عدد جمل كل إنجيل 1068 661 1160
جمل مشتركة بين الأناجيل الثلاثة 330 330 330
جمل مشتركة بين متى ومرقس 178 178 -
جمل مشتركة بين مرقس ولوقا - 100 100
جمل مشتركة بين متى ولوقا 230 - 230
جمل مستقلة لكل منهم 330 53 500
وأول نظريات المصادر قدمها هوتزمان 1860م ، وأفادت هذه النظرية أن متى ولوقا تأثرا بمرقس خلافاً للمشهور ، كما تأثر متى ولوقا أيضاً بوثيقة مشتركة أخرى غير معروفة في العصور الحديثة ، كما كان لكل من متى ولوقا مصدر خاص نقل عنه كل منهما ما انفرد به .
وقول هوتزمان بأن مرقس أصل لمتى ولوقا ، تقول عنه دائرة المعارف البريطانية : " يكاد يكون مسلماً به ".
وأما إنجيل مرقس فالسائد عنه ما يقوله ابن البطريق : " كتب بطرس رئيس الحواريين إنجيل مرقس عن مرقس في مدينة رومية ، ونسبه إلى مرقس " ، ولا يخفى غرابة هذا القول إذ كيف ينقل بطرس الحواري عن مرقس الذي لا دليل على لقياه المسيح ؟!
وأما القول بأن مرقس أخذ عن بطرس إنجيله بعد أن رافقه في أسفاره فهو قول ممكن، لو ثبت نسبة الإنجيل إليه وكان قد رافق بطرس الحواري حقاً كما ذكر المؤرخ الأسقف بابياس ت 130م حين قال : " إن مرقس كان ترجماناً لبطرس ، قد كتب بالقدر الكافي من الدقة التي سمحت بها ذاكرته ما قيل عن أعمال يسوع وأقواله دون مراعاة لنظام ، لأن مرقس لم يكن قد سمع يسوع ، ولا كان تابعاً شخصياً له ، لكنه في مرحلة متأخرة - كما قلت أنا من قبل - قد تبع بطرس " .
لكن الدراسات الأحدث والأعمق قام بها الأبوان بينوا وبومارا الأستاذان بمعهد الكتاب المقدس بالقدس 1972 - 1973م تذكر أن النص الإنجيلي مر بمراحل وتطورات، يقول الأبوان : " إن بعض قراء هذا الكتاب سيندهشون أو سينزعجون عندما يعلمون أن كلمة المسيح تلك ، أو أن ذلك الرمز أو ذلك الخبر عن مصيره ، لم تكن ملفوظة كما نقرأها نحن ، بل إنها قد نقحت ، ثم كيفت من الذين نقلوها إلينا ، أما بالنسبة إلى الذين لم يألفوا هذا النوع من البحث العلمي فيمكن أن يكون هذا مصدراً للدهشة ، بل للفضيحة ".
ويذكر الأبوان أن الأناجيل مرت في تدوينها بمرحلتين،، حيث وجدت أربع مصادر نقل عنها الإنجيليون بصورة متشابكة ، فتكونت كتب وسيطة تمثل الكتابات الأولية للإنجيليين ، وفي المرحلة الثانية ظهرت الكتابات النهائية للأناجيل الأربعة بعد أن اعتمد كل منهم وبصورة متشابكة أيضاً على كتابات بعض في المرحلة الأولى أو الأولية .
والمصادر الأولية كما يرى بينوا وبومارا هي :
- الوثيقة ( أ ) ونبعت من أوساط يهودية مسيحية ، وألهمت متى ومرقس .
- الوثيقة ( ب ) هي المادة التفسيرية للوثيقة ( أ ) ، واستخدمتها الكنائس المسيحية ذات الأصول الوثنية ، وألهمت جميع المبشرين ما عدا متى .
- الوثيقة ( ج ) وألهمت مرقس ولوقا ويوحنا .
- الوثيقة ( ق ) تكون معظم المصادر الشائعة بين متى ولوقا .
ولم تؤد أية وثيقة من هذه الوثائق الأساسية إلى تحرير النصوص النهائية التي في حوزتنا ، فبينها وبين التحرير النهائي توجد تآليف وسيطة خاصة بكل إنجيل " .
وهذا الذي نقلناه من حديث النصارى عن المصادر - ورغم الخلاف فيها واحتمالية أن تظهر نظريات أخرى - فإن مجرد البحث في موضوع هذه المصادر ينقض الادعاء القائل بإلهامية الأناجيل وصلتها بالروح القدس ، أو حتى التلاميذ.
وأما تلك الوثائق المجهولة التي نقل عنها كتبة الأناجيل فهي حلقة أخرى من سلسلة المجاهيل التي تكتنف الأناجيل وكتابها وسني تدوينها و .... .
سابعاً : المصادر الوثنية القديمة للعهد الجديد
كما كانت الوثنيات القديمة مرجعاً مهماً للإنجيليين وهم يصوغون قصتهم عن المسيح، خاصة تلك الأجزاء التي لم يشهدوها كتلك المتعلقة بولادة المسيح أو صلبه المزعوم ومحاكمته .
فقد نقل المحققون عن علماء تاريخ الديانات أوجه شبه كثيرة التقت فيها روايات الأناجيل مع أقوال الوثنيات البدائية - التي سبقت وجود المسيحية بقرون طويلة - عن آلهتهم المتجسدة .
أولا: التشابه بين الوثنيات والمسيحية فيما يخص ولادة الآلهة
ظهور النجوم عند ولادة الآلهة :
تحدث متى عن ولادة المسيح فقال: " ولما ولد يسوع في بيت لحم اليهودية في أيام هيرودس الملك إذا مجوس من المشرق قد جاءوا إلى أورشليم قائلين : أين هو المولود ملك اليهود؟ فإننا رأينا نجمه في المشرق وأتينا لنسجد له .. فلما سمعوا من الملك ذهبوا وإذا النجم الذي رأوه في المشرق يتقدمهم حتى جاء ووقف حيث كان الصبي .. وأتوا إلى البيت ، ورأوا الصبي مع مريم أمه ، فخروا وسجدوا له ، ثم فتحوا كنوزهم وقدموا له هدايا ذهباً ولباناً ومُراً " ( متى 2/1 - 11 ) .
تتشابه قصة متى مع ما يقوله البوذيون في بوذا . يقول بنصون في كتابه " الملاك المسيح " : " لقد جاء في كتب البوذيين المقدسة عندهم أنه قد بشرت السماوات بولادة بوذا بنجم ظهر مشرقاً في الأفق، ويدعونه في هذه الكتب المذكورة " نجم المسيح " ومثل هذا نقله المؤرخ بيال .
وأما المؤرخ ثورنتن في كتابه " تاريخ الصينيين " فينقل أنه عند ولادة " يو " المولود من عذراء ظهر نجم في السماء دل عليه ، ومثله حصل عند ولادة الحكيم الصيني لاوتز .
يقول القس جيكس في كتابه " حياة المسيح " : " وعم الاعتقاد في الحوادث الخارقة للعادة ، وخصوصاً حين ولادة أو موت أحد الرجال العظام ، وكان يشار إلى ذلك بظهور نجم أو مذنب أو اتصالات بين الأجرام السماوية".
هدايا للآلهة المولودة :
ويتحدث متى في سياق قصة المجوس السابقة عن هدايا المجوس للمولود " وأتوا إلى البيت ، ورأوا الصبي مع مريم أمه ، فخروا وسجدوا له ، ثم فتحوا كنوزهم وقدموا له هدايا ذهباً ولباناً ومُراً " ( متى 2/10 - 11 ) .
وهو أمر معهود أيضاً في الوثنيات ، فها هو كرشنا لما ولد ، وعرف الرعاة أمر ولادته أعطوه هدايا من خشب وصندل وطيب ، ومثله فعل الرجال الحكماء عند ولادة بوذا ، وأما مسرا مخلص العجم فقد أعطاه حكماء المجوس هدايا من الذهب والطيب والحنظل ، وهو ما فعله المجوس أيضاً عند ولادة سقراط 469 ق . م ، فقد أتي ثلاثة منهم من المشرق وأهدوه ذهباً وطيباً ومأكولاً مُراً .
الفرح السماوي بولادة الإله :
ويذكر لوقا في حديثه عن ميلاد المسيح " وكان في تلك الكورة رعاة متبدين يحرسون حراسات الليل على رعيتهم ، وإذا ملاك الرب وقف بهم ، ومجد الرب أضاء حولهم ، فخافوا خوفاً عظيماً ، فقال لهم الملاك : لا تخافوا . فها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب ... وظهر بغتة مع الملاك جمهور من الجند السماوي مسبحين الله وقائلين : المجد لله في الأعالي ، وعلى الأرض السلام ، وبالناس المسرة ". ( لوقا 2/8 - 14 ) .
وهذا الذي ذكره لوقا سبقت إليه الوثنيات القديمة ، فقد جاء في كتاب " فشنو بورانا " : " كانت العذراء ديفاكي حبلى بحامي العالم ، مجدها الآلهة ، ويوم ولادتها عمت المسرّات ، وأضاء الكون بالأنوار ، وترنمت آلهة السماء ، ورتلت الأرواح لما ولد عون الجميع … ، شرعت الغيوم ترتل بألحان مطربة ، وأمطرت أزهاراً " .
ويقول البوذيون مثل ذلك كما نقل المؤرخ " فو نبهنك " : " وصارت الأرواح التي أحاطت بالعذراء مايا وابنها المخلص تسبح وتبارك وتنشد : لك المجد أيتها الملكة ، فافرحي وتهللي ، لأن الولد الذي وضعتيه قدوس ".
وقريباً من هذا يقول المصريون في ولادة " أوزوريس " ، والصينيون في " كونفوشيوس " كما نقل ذلك السرجون فرنسيس دافس وبونويك في كتابه " اعتقاد المصريين " ، ونقل مثله عن عدد من الأمم .
مكان ولادة الآلهة :
ويذكر لوقا أن المسيح ولد في مذود ( انظر لوقا 2/16 ) ، ومثله تذكر الوثنيات ، فكرشنا كما ذكروا ولد في غار ، ووضع بعد ولادته في حظيرة غنم رباه فيها أحد الرعاة الأمناء ، وهو قس ابن السماء عند الصينيين ، تركته أمه وهو صغير فأحاطت به البقر والغنم ، وحمته من كل سوء .
ثانياً: تشابه قصة الصلب مع الوثنيات القديمة
وبولس عندما ادعى صلب المسيح فداء للخطيئة فإنه إنما يكرر عقيدة قديمة، تناقلتها الوثنيات قبل المسيح بزمن طويل ، وقد نسج الإنجيليون أحداث صلب المسيح، على نحو ما قرره بولس ، وعلى صورة ما ورد عن الأمم الوثنية القديمة ، حتى أضحت قصة الصلب في الأناجيل قصة منحولة من عقائد الأمم الوثنية ، ولعل أوضحها شبهاً بقصة المسيح أسطورة إله بابل " بعل.
صور التشابه بين قصة صلب بعل وصلب المسيح :
كشفت مؤخراً لوحتان أثريتان تعودان للقرن التاسع قبل الميلاد عن قصة تشابه تماماً ما قاله النصارى في صلب المسيح ومحاكمته، ونقل المؤرخ "فندلاي" وغيره مقارنة بين ما قيل عن بعل قبل المسيحية، وما قيل عن المسيح في المسيحية .ويوضح ذلك الجدول التالي :
محاكمة بعل محاكمة عيسى عليه السلام
1 – أخذ بعل أسيراً 1 - أخذ عيسى أسيراً
2 – حوكم بعل علناً 2 - وكذلك حوكم عيسى
3 – جرح بعل بعد المحاكمة 3 - اعتُدي على عيسى بعد المحاكمة
4 – اقتيد بعل لتنفيذ الحكم على الجبل 4 - اقتيد عيسى لصلبه على الجبل
5 – كان مع بعل مذنب حكم عليه بالإعدام وجرت العادة أن يعفى كل عام عن شخص حكم عليه بالموت . وقد طلب الشعب إعدام بعل ، والعفو عن المذنب الآخر 5 - وكان مع عيسى قاتل اسمه : "باراباس" محكوم عليه بالإعدام، ورَشح بيلاطس عيسى ليعفو عنه كالعادة كل عام . ولكن اليهود طلبوا العفو عن "باراباس" وإعدام عيسى
6 – بعد تنفيذ الحكم على بعل عم الظلام وانطلق الرعد ، واضطرب الناس 6 - عقب تنفيذ الحكم على عيسى زلزلت الأرض وغامت السماء
7 – حُرس بعل في قبره حتى لا يسرق أتباعه جثمانه 7 - وحرس الجنود مقبرة عيسى حتى لا يسرق حواريوه جثمانه
8 – الأمهات جلست حول مقبرة بعل يبكينه 8 - مريم المجدلية ، ومريم أخرى جلستا عند مقبرة عيسى تنتحبان عليه
9 – قام بعل من الموت وعاد للحياة مع مطلع الربيع وصعد إلى السماء 9 - قام عيسى من مقبرته في يوم أحد ، وفي مطلع الربيع أيضاً، وصعد إلى السماء
وقد انتقلت هذه الأسطورة البابلية فيما يبدو عن طريق الأسرى اليهود الذين عادوا من بابل.
ومما يؤكد وصول هذه القصة إلى الفكر اليهودي ثم المسيحي أن التوراة ذكرت ما يدل على شهرة مثل هذه القصة ففي سفر حزقيال " فجاء بي إلى مدخل باب بيت الرب - الذي من جهة الشمال - وإذا هناك نسوة جالسات يبكين على تموز ". ( حزقيال 8/14 ) وتموز هو الإله البابلي الذي قتل لأجل خلاص البشر، ثم قام من بين الموتى.
موت الآلهة على الصليب :
ويصف الهنود أشكالاً متعددة لموت كرشنا أهمها أنه مات معلقاً بشجرة سُمر بها بحربة وتصوره كتبهم مصلوباً وعلى رأسه إكليل من الذهب ويقول العلامة دوان: " إن تصور الخلاص بواسطة تقديم أحد الآلهة ذبيحة فداء عن الخطيئة قديم العهد جداً عند الهنود والوثنيين .
وكذلك اعتقد أهل النيبال بمعبودهم أندرا ، ويصورونه وقد سفك دمه بالصلب ، وثقب بالمسامير كي يخلص البشر من ذنوبهم كما وصف ذلك المؤرخ هيجين في كتابه : " الانكلو *** نس" .
وقد نقل عن العلامة التنير عدد من أصحاب الردود وثنية عقيدة الإله المتجسد والفادي للخطايا.
دماء الآلهة المسفوحة :
وليست مسألة المخلص فقط هي التي نقلها بولس عن الوثنيات، فقد تحدث أيضاً عن دم المسيح المسفوح فقال: " يسوع الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه " ( رومية 3/25 )، ويقول: " ونحن الآن متبررون بدمه " ( رومية 5/9)، " أليست هي شركة دم المسيح " (كورنثوس (1) 10/16 ).
ويقول: " أنعم بها علينا في المحبوب الذي فيه لنا الفداء ، بدمه غفران الخطايا " ( أفسس 1/7 ) .
وفي موضع آخر يتحدث عن ذبح المسيح: " لأن فصحنا أيضاً المسيح قد ذبح لأجلنا " (كورنثوس (1) 5/7)، ومثل هذه النصوص تكثر في رسائل بولس وغيرها من الرسائل.
لكن النصارى يتغافلون عن مسألة هامة هي أن المسيح لم يذبح ، فالأناجيل تتحدث عن موت المسيح صلباً لا ذبحاً ، الموت صلباً لا يريق الدماء ، ولم يرد في الأناجيل أن المسيح نزلت منه الدماء سوى ما قاله يوحنا ، وجعله بعد وفاة المسيح حيث قال: " .. وأما يسوع فلما جاؤوا إليه لم يكسروا ساقيه لأنهم رأوه قد مات ، لكن واحداً من العسكر طعن جنبه بحربة ، وللوقت خرج دم وماء " ( يوحنا 19/23 - 24 ) وهو ليس ذبحاً بكل حال.
يقول ولز: " إنه لزام علينا أن نتذكر أن الموت صلباً لا يكاد يهرق من الدم أكثر مما يريقه الشنق، فتصوير يسوع في صورة المراق دمه من أجل البشرية إنما هو في الحقيقة من أشد العبارات بعداً عن الدقة " .
ولكن هذه النظرة إلى الله، بأنه لا يرضى إلا بأن يسيل الدم نظرة قديمة موجودة عند اليهود وعند الوثنيين قبلهم ، ففي التوراة تجد ذلك واضحاً في مثل قولها: " بنى نوح مذبحاً لله .. وأصعد محرقات على المذبح ، فتنسم الرب رائحة الرضا ، وقال الرب في قلبه : لا أعود ألعن الأرض أيضاً من أجل الإنسان " ( تكوين 8/20 - 21 ).
وثله في محبة المحرقة وذبائحها والتنسم برائحتها قول العهد القديم: " وبنى داود هناك مذبحاً للرب، وأصعد محرقات وذبائح سلامة، ودعا الرب ، فأجابه بنار من السماء على مذبحة المحرقة " (الأيام (1) 21/26).
وهكذا فإن التصور اليهودي للإله مشبع برائحة الدم يقول ارثر ويجال: " نحن لا نقدر أطول من ذلك قبول المبدأ اللاهوتي المفزع الذي من أجل بعض البواعث الغامضة وجوب تضحية استرضائية، إن هذا انتهاك إما لتصوراتنا عن الله بأنه الكلي القدرة ، وإلا ما نتصوره عنه ككلي المحبة ".
ويرى المحققون أن ادعاء إهراق دم المسيح مأخوذ من الديانة المثراسية حيث كانوا يذبحون العجل ويأخذون دمه ، فيتلطخ به الآثم ، ليولد من جديد بعد أن سال عليه دم العجل الفدية .
غرائب ترافق موت الآلهة :
وتتشابه كثير من تفاصيل قصة الصلب مع تفاصيل واردة في قصص وثنية مشابهة .فقد ذكر متى أحداثاً غريبة عدة، صاحبت موت المسيح حيث يقول: " وفي الساعة السادسة كانت ظلمة على كل الأرض، إلى الساعة التاسعة ...، وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل، والأرض تزلزلت ، والصخور تشققت، والقبور تفتحت ... " ( متى 27/45 - 53 ) .
وهذا نقله النصارى من الوثنيات القديمة، فقد نقل العلامة التنير في كتابه الرائع "العقائد الوثنية في الديانة النصرانية" عن عدد من المؤرخين الغربيين إجماعهم على انتشار هذه الغرائب حال موت المخلصين لهذه الأمم .
من ذلك: أن الهنود يقولون: " لما مات "كرشنا" مخلصهم على الصليب ، حدثت في الكون مصائب جمة، وعلامات متنوعة، وأحاطت بالقمر دائرة سوداء ، وأظلمت الشمس عند منتصف النهار ، وأمطرت السماء ناراً ورماداً ..... "
ويقول عباد بروسيوس: " إنه لما صلب على جبل قوقاس، اهتزت الكائنات ، وزلزلت الأرض و.... " .
والاعتقاد بحدوث أحداث سماوية عظيمة عند موت أحد العظماء أو ولادته، معروف عند الرومان واليونان.
كما ينقل المؤرخ " كنون فرار" في كتابه "حياة المسيح" وينقل جيبون في تاريخه أن عدداً من الشعراء والمؤرخين الوثنيين كان يقول: " لما قتل المخلص اسكولابيوس ، أظلمت الشمس ، واختبأت الطيور في أوكارها ... لأن شافي أمراضهم وأوجاعهم فارق هذه الدنيا ".
والقول بظلمة الشمس عند موت أحد المخلصين قيل عند مقتل هيركلوس وبيوس وكوتز لكوتل وكيبير ينوس إله الرومان ، وعليه، فهو أسطورة قديمة تداولتها الأمم، ونقلها أصحاب الأناجيل من تلك الوثنيات .
وقد كان عباد الشمس يقدمون الضحايا لها، خاصة عند حلول الكسوف ، فإذا زال الكسوف اعتقدوا أنه بسبب فداء أحد زعمائهم ، حيث خلصهم وحمل عنهم العذاب ، ومنه أخذ متى قوله " ومن الساعة السادسة، كانت ظلمة على الأرض إلى الساعة التاسعة " ( متى 27/45 ).
قيام الآلهة من الأموات :
ومن أوجه الشبه بين الوثنيات القديمة والنصرانية القول بقيامة الآلهة من الأموات، فقد أجمعت الأناجيل على قيامة عيسى من الموت ، ولكن هذا قد سبقهم إليه الهنود، حيث قالوا في كرشنا: " هوذا كرشنا صاعد إلى وطنه في السماوات " وكذا يقول عُبّاد بوذا بأنه حزن عليه بعد موته أهل السماوات والأرض " حتى إن مهاويو ( الإله العظيم ) حزن ونادى : قم أيها المحب المقدس فقام كام ( أي بوذا ) حياً ، وبُدلت الأحزان والأتراح بالأفراح ، وهاجت السماء ، ونادت فرِحة : عاد الإله الذي ظُن أنه مات وفُقد ... " ومثله يعتقده الصينيون في إلههم (لأوكيون) ، والمجوس في (زورستر) .
ويقول عابدو (سكولابيوس) في القصيدة التي حكت عن حياته " أيها الطفل القادر على شفاء الأمم في السنين القادمة حينما يهب مَن في القبور .... وأنت من المسكن المظلم ستقوم ظافراً وتصير إلهاً " وعن تموز يقول البابليون: "ثقوا أيها القديسون برجوع إلهكم، واتكلوا على ربكم الذي قام من الأموات ".
ومثل هذا الاعتقاد، سرى في كثير من الوثنيات قبل المسيحية فقد قيل بقيام أوزوريس، وحورس، "ومتراس" وباخوس، وهرقل، وكوتز لكوتل، ويلدور، وغيرهم، فكل هؤلاء قال عُبّادهم بقيامتهم من الموت. ولعل أهم هؤلاء أوزوريس معبود المصريين القريب من مهد المسيحية ، وقد انتشرت أسطورته في القرن الثالث قبل الميلاد. ويقول المؤرخ (مهامي): " إن محور التعليم الديني عند الوثنيين في مصر في القرون الخالية هو الإيمان بقيام الإله " .
قيامة وعودة الآلهة من الموت للحساب والجزاء :
يتحدث النصارى عن دينونة المسيح للبشر يقول يوحنا عن المسيح: " وقد أعطاه السلطان لأن يدين لأنه ابن إنسان " ( يوحنا 5/27 ) .
وهو أيضاً معتقد وثني ، فقد تحدث المؤرخون عن قول المصريين بقيامة مخلصهم بعد الموت، وأنه سيكون ديان الأموات يوم القيامة.
ويذكر هؤلاء في أساطيرهم أن أوزوريس حكم بالعدل فاحتال عليه أخوه وقتله ، ووزع أجزاء جسمه على محافظات مصر ، فذهبت أرملته أيزيس فجمعت أوصاله من هنا وهناك، وهي تملأ الدنيا نحيباً وبكاءً فانبعث نور إلى السماء ، والتحمت أوصال الجسد الميت ، وقام إلى السماء يمسك بميزان العدل والرحمة .
وكذلك اعتقد الهنود في معبودهم كرشنا أنه مخلص وفادي . يقول القس جورج كوكس: " يصفون كرشنا بالبطل الوديع المملوء لاهوتاً ،لأنه قدم شخصه ذبيحة .. ويعتقدون أن عمله لا يقدر عليه أحد" .
ويقول المؤرخ دوان: " يعتقد الهنود بأن كرشنا المولود البكر الذي هو نفس الإله فشنو ، والذي لا ابتداء ولا انتهاء له - على رأيهم - تحرك حنواً كي يخلص الأرض من ثقل حملها، فأتاها وخلص الإنسان بتقديم نفسه ذبيحة عنه " ومثله يقوله العلامة هوك .
ثالثاً : التشابه في فكرة الفادي بين الوثنيات القديمة والنصرانية
وكذلك سرت في الوثنيات فكرة الفادي والمخلص الذي يفدي شعبه أو قومه، وكانت الأمم البدائية تضحي بطفل محبوب ، لاسترضاء السماء ، وفي تطور لاحق أضحى الفداء بواسطة مجرم حكم عليه بالموت ، وعند البابليين كان الضحية يلبس أثواباً ملكية - كتلك التي ألبسها الإنجيليون للمسيح في قصة الصلب - ، لكي يمثل بها ابن الملك ، ثم يجلد ويشنق .
وعند اليهود خصص يوم للكفارة يضع فيه كاهن اليهود يده على جدي حي ، ويعترف فوق رأسه بجميع ما ارتكب بنو إسرائيل من مظالم ، فإذا حمل الخطايا أطلقه في البرية .
وأما فكرة موت الإله فهي عقيدة وثنية حيث كان العقل اليوناني يحكم بموت بعض الآلهة .
والفداء عن طريق أحد الآلهة أو ابن الله أيضاً موجودة في الوثنيات القديمة كما وقد ذكر السير آرثر فندلاي في كتابه " صخرة الحق " أسماء ستة عشر شخصاً اعتبرتهم الأمم آلهة سعوا في خلاص هذه الأمم . منهم: أوزوريس في مصر 1700 ق.م ، وبعل في بابل 1200ق.م ، وأنيس في فرجيا 1170 ق.م ، وناموس في سوريا 1160 ق.م ، وديوس فيوس في اليونان 1100 ق.م، وكرشنا في الهند 1000 ق.م ، وأندرا في التبت 725 ق.م ، وبوذا في الصين 560 ق.م ، وبرومثيوس في اليونان 547 ق.م ، ومترا (متراس) في فارس 400 ق.م .
ولدى البحث والدراسة في معتقدات هذه الأمم الوثنية نجد تشابهاً كبيراً مع ما يقوله النصارى في المسيح المخلص .
فأما بوذا المخلص عند الصينيين فلعله أكثر الصور تطابقاً مع تخلص النصارى ، ولعل مرد هذا التشابه إلى تأخره التاريخي فكان تطوير النصارى لذلك المعتقد قليلاً .
والبوذيون كما نقل المؤرخون يسمون بوذا المسيح المولود الوحيد ، ومخلص العالم ، ويقولون: إنه إنسان كامل وإله كامل تجسد بالناسوت ، وأنه قدم نفسه ذبيحة ليكفر ذنوب البشر ويخلصهم من ذنوبهم حتى لا يعاقبوا عليها .
وجاء في أحد الترنيمات البوذية عن بوذا: " عانيتَ الاضطهاد والامتهان والسجن والموت والقتل بصبر وحب عظيم لجلب السعادة للناس ، وسامحتَ المسيئين إليك " .
ويذكر مكس مولر في كتابه " تاريخ الآداب السنسكريتية " فيقول: " البوذيون يزعمون أن بوذا قال: دعوا الآثام التي ارتكبت في هذا العالم تقع عليّ، كي يخلص العالم " .
ويرى البوذيون أن الإنسان شرير بطبعه ، ولا حيلة في إصلاحه إلا بمخلص ومنقذ إلهي .
وكذلك فإن المصريين يعتبرون أوزوريس إلهاً ويقول المؤرخ بونويك في كتابه " عقيدة المصريين " : يعد المصريون أوزوريس أحد مخلصي الناس ، وأنه بسبب جده لعمل الصلاح يلاقي اضطهاداً ، وبمقاومته للخطايا يقهر ويقتل " . ويوافقه العلامة دوان والعلامة موري في كتابه " الخرافات ".
لذا يقول ارثر ويجال :" إن هذه العقيدة دخيلة من مصدر وثني ،وهي حقاً من آثار الوثنية في الإيمان "
نزول الآلهة إلى الجحيم من أجل تخليص الأموات من الجحيم :
وتشابهت العقائد النصرانية مع الوثنيات القديمة مرة أخرى عندما قال النصارى بأن المسيح نزل إلى الجحيم لإخراج الأرواح المعذبة فيها من العذاب ، ففي أعمال الرسل " سبق فرأى وتكلم عن قيامة المسيح أنه ، ولم تترك نفسه في الهاوية ، ولا رأى جسده فساداً " ( أعمال 2/31 )، ويقول بطرس: " ذهب ليكرز للأرواح التي في السجن " ( بطرس(1) 3/19 ) .
يقول القديس كريستوم 347م :" لا ينكر نزول المسيح إلى الجحيم إلا الكافر ".
ويقول القديس كليمندوس السكندري: " قد بشر يسوع في الإنجيل أهل الجحيم كما بشر به وعلمه لأهل الأرض كي يؤمنوا به ويخلصوا " وبمثله قال أوريجن وغيره من قديسي النصارى.
وهذا المعتقد وثني قديم قال به عابدو كرشنا ، فقالوا بنزوله إلى الجحيم لتخليص الأرواح التي في السجن ، وقاله عابد زورستر وأدونيس وهرقل وعطارد وكوتز لكوتل وغيرهم .
ولما وصل النصارى إلى أمريكا الوسطى ، وجدوا فيها أدياناً شتى، فخف القسس لدعوتهم للمسيحية، فأدهشهم بعد دراستهم لهذه الأديان أن لها شعائر تشبه شعائر المسيحية ، وخاصة في مسائل الخطيئة والخلاص ".
رابعاً: تشابهات أُخر بين الوثنيات القديمة والنصرانية
وثمة تشابهات أخر بين الوثنيات وأسفار المسيحية - في غير الولادة والصلب والفداء - ، منها ما ذكره متى عن تجربة إبليس للمسيح أربعين يوماً، " فلم يأكل حتى جاع أخيراً" ( انظر متى 4/1 - 12 ) ، وهو ما ينقل مثله عن بوذا في الصين وزورستر عند المجوس وغيرهم من الآلهة المتجسدة عند الأمم الوثنية .
وقد جاء في كتاب " حياة بوذا الصيامية " لمونكيور كونري : " الكائن العظيم بوذا جرد نفسه في الزهد لدرجة عدم الأكل والتنفس أيضاً .. فأتى الأمير مارا ( أي أمير الشياطين ) وقصد تجربة بوذا ... " .
وقد وصلت المعطيات المشتركة بين كرشنا والمسيح إلى ستة وأربعين تشابهاً ، وبين المسيح وبوذا إلى ثمانية وأربعين تشابهاً .
وقد أقر رجال الكنيسة بهذه الأمثلة للتشابه ، وكانوا يدعون أن أسفار الفيدا الهندية قد أخذت عن الأناجيل ، لكن العلماء المحققين أثبتوا أن هذه الأسفار موجودة قبل التوراة والأناجيل بمئات السنين ، وممن أكد ذلك لجنة الدراسات للآثار الهندية المكونة من علماء إنجليز وفرنسيين .
تفسير النصارى لهذا التشابه الغريب بين الوثنيات والنصرانية :
فكيف يفسر النصارى هذا التطابق بين معتقداتهم والوثنيات القديمة والذي جعل من النصرانية نسخة معدلة عن هذه الأديان ؟
زعم الكثيرون أن هذه الأديان نقلت هذا الفكر عن النصرانية، لكن ذلك اصطدم بكون هذه الديانات كانت قبل المسيحية بقرون طويلة ، والمخطوطات التي سجلت عقائدها كانت أقدم من ظهور المسيحية وأناجيلها.
لذا كان لا بد من الاعتراف بانتحال كتاب العهد الجديد لأساطير الوثنيات السابقة أو الهروب إلى عالم الأسرار والظلام حيث يختفي دليل العقل وتسيطر الخرافة،ومنه قول الأب جميس المحاضر في جامعة " اكسفورد" عن هذا التشابه: " سر لاهوتي فوق عقول البشر ، وليس من الممكن تفسيره حسب تفسير وتصور هؤلاء البشر .
صدق الله إذ يقول عن النصارى { ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون به قول الذين كفروا من قبل }.
وكأي جهد بشري معرض للخطأ فإن الأناجيل كذلك تمتلئ بالأغلاط التي يكذبها التاريخ والواقع ، وثبوت الغلط في الكتاب يحيل قداسته ، ويفند دعوى إلهامه إلى سراب .
والأغلاط في الأناجيل كثيرة ، وهي على أنواع فمنها ما تشهد عليه الأسفار المقدسة بالكذب، ومنها ما يشهد عليه العقل ، ومنها ما يشهد عليه التاريخ والواقع .
اولا : الأغلاط بشهادة الكتب المقدسة
زكريا المقتول بن يهويا داع وليس ابن برخيا :
فمن الأغلاط التي تشهد لها الأسفار المقدسة عند النصارى بالخطأ ما جاء في متى في قوله أن المسيح قال " كل دم زكي سفك على الأرض من دم هابيل الصديق إلى دم زكريا بن برخيا الذي قتلتموه بين الهيكل والمذبح " ( متى 23/35 ) .
وقد غلط متى إذ المقتول بين الهيكل والمذبح هو زكريا بن يهويا داع ، فقد جاء في سفر الأيام " ولبس روح الله زكريا بن يهويا داع الكاهن فوقف فوق الشعب .. ففتنوا عليه ورجموه بحجارة بأمر الملك في دار بيت الرب " ( أيام (2) 24/20 - 21 ) .
وأما زكريا بن برخيا فهو آخر عاش أيام سبي بابل ، وهو من الأنبياء الصغار ، وينسب له السفر الذي في التوراة ، ويقول عنه قاموس الكتاب المقدس " ويذكر التقليد اليهودي أن زكريا هذا طالت أيامه ، وعاش في بلاده ، ودفن بجانب حجي الذي كان زميلاً له " .
كما يجدر أن ننبه هنا إلى أن لوقا قد نقل قول المسيح الذي ذكره متى، ولكنه لم يخطئ كما أخطئ متى ، فقد قال: " من دم هابيل إلى دم زكريا الذي أهلك بين المذبح والبيت " ( لوقا 11/51 ).
في سفر زكريا وليس إرمياء :
وفي نبوءة أوردها متى أخطأ وهو ينقل عن التوراة ، يقول متى: " لما رأى يهوذا الذي أسلمه أنه قد دين ندم ورد الثلاثين من الفضة إلى رؤساء الكهنة والشيوخ .. فطرح الفضة في الهيكل وانصرف .. فأخذ رؤساء الكهنة الفضة وقالوا : لا يحل أن نلقيها في الخزانة ، لأنها ثمن دم ، فتشاوروا ، واشتروا بها حقل الفخاري مقبرة للغرباء .. حينئذ تم ما قيل بإرميا النبي : وأخذوا الثلاثين من الفضة ثمن المثمن الذي ثمنوه من بني إسرائيل ، وأعطوها عن حقل الفخاري كما أمرني الرب " ( متى 27/3 - 10 ) .
فإحالته إلى سفر إرميا غير صحيحة ، إذ لا يوجد شيء من ذلك في إرميا ، والصحيح أنه في سفر زكريا : " فقال لي الرب : ألقها إلى الفخاري الثمن الكريم الذي ثمنوني به ، فأخذت الثلاثين من الفضة ، وألقيتها إلى الفخاري في بيت الرب " ( زكريا 11/12 - 14 ) ويجدر أن ننبه هنا أن القصة في سفر زكريا لا علاقة لها بيهوذا ولا المسيح.
أصحاب داود لم يأكلوا خبز التقدمة في عهد الكاهن أخيمالك :
وأخطأ مرقس وهو يتحدث عما فعله داود عندما جاع فأكل من خبز التقدمة الذي لا يجوز أكله إلا للكهنة فقال: " أما قرأتم قط ما فعله داود حين احتاج وجاع هو والذين معه ، كيف دخل بيت الله في أيام أبيا ثار رئيس الكهنة ، وأكل خبز التقدمة الذي لا يحل إلا للكهنة ، وأعطى الذين معه " ( مرقس 2/25 - 26 ).
وقوله: " الذين كانوا معه " خطأ ولا محالة ، لأن داود كان حين ذهب إلى رئيس الكهنة كان وحيداً ، كما في سفر صموئيل وفيه " فجاء داود إلى نوب إلى أخيمالك الكاهن ، فاضطرب أخيمالك عند لقاء داود ، وقال له : لماذا أنت وحدك وليس معك أحد ... يوجد خبر مقدس ... " ( صموئيل (1) 21/1 - 4 ) .
والخطأ الثاني الذي وقع فيه مرقس حينما سمى رئيس الكهنة أبياثار ، وفي صموئيل أن رئيس الكهنة يومذاك هو أبوه، أخيمالك الذي قتله شاول ، لأنه أعطى الخبز المقدس لداود ( انظر صموئيل (1) 22/20 - 23 ).
وينبه محررو الكتاب المقدس إلى أن أبياثار هرب بعدها إلى داود مع صادوق رئيس الكهنة بعد مقتل أبيه أخيمالك .
وقد اعترف بهذا الغلط وارد الكاثوليكي في كتابه " الأغلاط "، وقال نقلاً عن مستر جوويل أنه كتب: غلط مرقس فكتب أبياثار موضع أخيمالك .
الثناء على يهوذا الخائن :
وفي أثناء حديث الإنجيليين عن التلاميذ فإنهم يذكرون الإثنى عشر بخير ، وينسون أن فيهم يهوذا الخائن ، ولربما ذكروا حوادث حصلت بعد موته فذكروه بها .
ومن ذلك قول متى أن المسيح قال لتلاميذه: " الحق أقول لكم : إنكم أنتم الذين تبعتموني في التجديد متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده تجلسون أنتم أيضاً على إثني عشر كرسيا تدينون أسباط إسرائيل الإثني عشر " ( متى 19/28 ).
ولم يستثن يهوذا الذي يقول عنه " ويل لذلك الرجل .. خيراً لذلك الرجل لو لم يولد " ( متى 26/24 ) ، وقد تنبه لوقا لخطأ متى ، فلم يقع فيه ، ولم يذكر عدد الكراسي ( انظر : لوقا 22/28 - 29 ) .
وهذا الخطأ وقع به بولس وهو يتحدث عن قيامة المسيح والتي يفترض أنها بعد وفاة يهوذا بأيام وقبل انتخاب البديل عنه ميتاس ( انظر أعمال 1/26 ) ، فقال بولس: " قام في اليوم الثالث حسب الكتب ، وأنه ظهر لصفا ثم للإثني عشر ، وبعد ذلك ظهر لأكثر من خمسمائة أخ " (تيموثاوس (1) 15/4 - 6 )
وقد تنبه للخطأ كاتب مرقس فقال: " ثم ظهر للأحد عشر .... " ( مرقس 16/14 ) .
لم يمكث المسيح في بطن الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال :
ومن الأغلاط ما ذكره متى عن مكث ابن الإنسان (المسيح) في بطن الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال، حيث يقول: " أجاب قوم من الكتبة والفريسيين قائلين: يا معلّم نريد أن نرى منك آية. فأجاب وقال لهم: جيل شرير وفاسق يطلب آية، ولا تعطى له آية إلا آية يونان النبي. لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال، هكذا يكون ابن الانسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال". (متى 12/38 - 40 ) .
ومن المعلوم في الأناجيل أن المسيح صلب يوم الجمعة ، ودفن ليلة السبت، وخرج من قبره قبل فجر الأحد أي لم يمكث في القبر سوى ليلة السبت ويوم السبت وليلة الأحد. وهو ما يعدل ليلتين ويوم، وليس ثلاثة أيام وثلاث ليال، كما أخبر متى .
وقد اعترف بالسي وشلز أن متى قد غلط، وزعم أنه أخطأ في فهم كلام المسيح ، فهذا التفسير بالبقاء ثلاثة أيام وثلاث ليال في الأرض كان من جانبه ، وأما مقصود المسيح فهو : " أن أهل نينوي كما آمنوا بسماع الوعظ وما طلبوا معجزة ، كذلك فليرضَ الناس مني بسماع الوعظ".
وأرى أن هذا الاعتذار لا يقبل ، لأنه قد جاء مثل هذا القول عن غير متى ، ففي يوحنا قال لهم: " انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه " فلم يفهم اليهود كلامه ، وظنوه يتحدث عن هيكل سليمان " وأما هو فكان يقول عن هيكل جسده ، فلما قام من الأموات تذكر تلاميذه أنه قال هذا" (يوحنا 2/19 - 24 )، ولكنه قد قام في اليوم الثاني، وبعد مضي ليلتين فقط.
وقال لوقا : " إنه ينبغي أن يسلم ابن الإنسان في أيدي أناس خطاة ، ويصلب ، وفي اليوم الثالث يقوم " ( لوقا 24/7 )، وفي مرقس " ويقتلونه وفي اليوم الثالث يقوم " ( مرقس 10/32)، وقيامته هي القيامة من الموت، وقد قام في اليوم الثاني من الموت المزعوم .
وثمة نصوص أخرى كثيرة غلط فيها الإنجيليون بشهادة الواقع والتاريخ ، ومن مثل ذلك ما جاء في إنجيل متى عن القيامة القريبة التي تقترن بعودة المسيح القريبة ، والتي حددها المسيح كما يزعمون بأنها قبيل انقضاء جيله ، وعليه طلب إلى تلاميذه أن لا يذهبوا للدعوة في مدن السامريين فإن القيامة دون ذلك .
وقد قارب مجموع النصوص التي تحدثت عن عودة المسيح والقيامة العشرة ، أهمها : " فإن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته ، وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله . الحق أقول لكم : إن من القيام ههنا قوماً لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتياً في ملكوته " ( متى 16/27 - 28 ).
ويقول أيضاً : " متى طردوكم في هذه المدينة فاهربوا إلى الأخرى . فإني الحق أقول لكم : لا تكملون مدن إسرائيل حتى يأتي ابن الإنسان " ( متى 10/23 ).
وفي سفر الرؤيا يقول: " ها أنا آتي سريعاً " ( الرؤيا 3/11 ).
وفي موضع آخر يقول: " ها أنا آتي سريعاً ، لا تختم على أقوال نبوة هذا الكتاب .. لأن الوقت قريب .. أنا آتي سريعاً " ( الرؤيا 22/7 - 12 ).
وتحدث متى عما يرافق عودة المسيح من أحداث " وفيما هو جالس على جبل الزيتون تقدم إليه التلاميذ على انفراد قائلين : قل لنا متى يكون هذا ؟ وما هي علامة مجيئك وانقضاء الدهر ؟ " .
فأجابهم المسيح بذكر علامات كثيرة، ومنها " حينئذ تنوح جميع قبائل الأرض ، ويبصرون ابن الإنسان آتياً على سحاب السماء بقوة ومجد كثير ... الحق أقول لكم : لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كله ، السماء والأرض تزولان ، ولكن كلامي لا يزول " ( متى 24/3 - 3 ) .
وقد كان المسيح قال لهم قبل سؤالهم: " الحق أقول لكم: إنه لا يترك ههنا حجر على حجر لا ينقض " ومقصده الهيكل ، أي أنه إذا هدم لا يبنى .
وقد سيطرة فكرة العودة السريعة والقيامة القريبة على كتاب الرسائل ، ففي رسالة بولس إلى تسالونيكي " إننا نحن الأحياء الباقين إلى مجيء الرب " ( تسالونيكي (1) 4/15 ).
وفي موضع آخر يقول: " نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور " ( كورنثوس (1) 10/11).
وأيضاً يقول: " هو ذا سر أقوله لكم : لا نرقد كلنا (أي لن نموت كلنا)، ولكننا كلنا نتغير في لحظة ، في طرفة عين، عند البوق الأخير فإنه سيبوق ، فيقام الأموات عديمي فساد ، ونحن نتغير " ( كورنثوس (1) 15/51 - 52 ).
فهذه الأقوال وسواها تدل على أن القيامة وعودة المسيح قبلها، سيحصل في زمن الجيل الأول ، لكن شيئاً من ذلك لم يحصل ، وقد مرت قرون طويلة فدل ذلك على أن في الأخبار ما هو غلط.
ويبدو أن المسيح أبلغ أصحابه بنزوله من السماء قبيل يوم القيامة، وذكر لهم بعضاً من الأمور التي تحدث قبله ، وطرأ الغلط والتحريف من قولهم بأن ذلك سيكون في زمن الجيل الأول .
ويتهرب المفسر بنيامين بنكرتن من هذه النصوص الواضحة الدلالة فيقول: " إن المراد من إتيان المسيح في ملكوته هو معجزة التجلي الآتي ذكرها .. وإن القوم هم بطرس ويوحنا ويعقوب " أي أن تفسير هذه النصوص هو القيامة المزعومة للمسيح بعد موته بثلاثة أيام .
ولكن كلام المفسر من العبث ، إذ النصوص تتحدث عن إتيان للمسيح فوق السحاب يرافقه مجد الله ، بينما كان المسيح عند عودته بعد الصلب المزعوم متخفياً . وهل كان المسيح يخبر تلاميذه عن أمر سيحصل قبل أن ينتهي الجيل، وقبل أن يكملوا التبشير في مدن اليهودية، هل كان يحدثهم عما سيحصل بعد أسبوع !!!
ثم ماذا عن النصوص التي قالها بولس وغيره بعد القيامة ؟ وأين العلامات التي رافقت مجيء المسيح .
معجزات المؤمنين :
ومن النصوص أيضاً التي تثبت شهادة الواقع بأنها وأن المسيح الذي لا يكذب لا يمكن أن يقول ما نسب إليه .
من ذلك ما جاء في خاتمة مرقس فقد جاء فيه أن المسيح ظهر لتلاميذه بعد الصلب وقال لهم: " وهذه الآيات تتبع المؤمنين ، يخرجون الشياطين باسمي ويتكلمون بألسنة جديدة ، يحملون حيات ، وإن شربوا شيئاً مميتاً لا يضرهم ، ويضعون أيديهم على المرضى ، فيبرؤون " ( مرقس 16/17 - 18 ) .
وقريباً من هذا المعنى يقول مرقس بأن المسيح قال لتلاميذه: " ليكن لكم إيمان بالله ، لأني الحق أقول لكم : إن من قال لهذا الجبل انتقل وانطرح في البحر ، ولا يشك في قلبه بل يؤمن ، إن ما يقوله يكون ، فمهما قال يكون له " ( مرقس 11/22 - 23 ).
وفي متى " وكل ما تطلبونه في الصلاة مؤمنين تنالونه " ( متى 21/22 ).
ويقول يوحنا على لسان المسيح أنه قال: " الحق الحق أقول لكم: من يؤمن بي، فالأعمال التي أنا أعملها يعملها هو أيضاً، ويعمل أعظم منها" ( يوحنا 14/12 ).
أما الذي يعجزون عن فعل المعجزات فهؤلاء لا إيمان لهم. ويحكى متى عن تقدم التلاميذ إلى يسوع على انفراد ليسألوه عن إخفاقهم في شفاء المصروع فأجابهم : " لعدم إيمانكم ، فالحق الحق أقول لكم : لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا إلى هناك فينتقل ، ولا يكون شيء غير ممكن لديكم " ( متى 17/20 ) .
وعليه فكل مؤمن نصراني يستطيع إحياء الموتى وشفاء المرضى وإخراج الشياطين .....، وإن لم يصنع ذلك فليس بمؤمن .
ويبالغ يوحنا في عرضه للمعجزات التي يتوارثها النصارى عن المسيح إذ يقول في نص آخر يقول يوحنا بأن المسيح قال لليهود : " الحق الحق أقول لكم إن كان أحد يحفظ كلامي فلن يرى الموت إلى الأبد " وفهم اليهود منه موتاً حقيقياً فقالوا : " ألعلك أعظم من أنبياء إبراهيم الذي مات ، والأنبياء ماتوا " فلم يتهمهم بسوء الفهم بل قال : " إن كنت أمجد نفسي فليس مجدي شيئاً ، أبي هو الذي يمجدني " ( يوحنا 8/51 - 54 ) .
إذاً هذه النصوص تتحدث عن معجزات تحدث للمؤمنين ، فهل تحقق شيء منها ؟
هل حقق آباء الكنيسة فضلاً عن بقية المؤمنين أمثال معجزة المسيح أو أفضل منها ؟ هل أحيوا موتى ؟ هل شفوا مرضى ؟ هل أتقنوا لغات عدة وصاروا يتكلمون بألسنة مختلفة؟ أم هم غير مؤمنين فلم تقع منهم هذه المعجزات .
ولو كانت هذه النصوص حقاً من أقوال المسيح لما مات بابوات الكنيسة ، ولما رأينا القسس يجتهدون في تعلم اللغات للتبشير ثم لا ينجحون ، ولو كان حقاً لما مات البابا اسكندر السادس مسموماً !!
وفي مناظرة ديدات لكبير قساوسة السويد ستانلي شوبرج وقف واحد من الجمهور ، وقرأ على القسس نص ( مرقس 16/16 - 18 ) وطلب إليه إن كان مؤمناً أن يشرب زجاجة سم رفعها الرجل بيده قائلاً : " اشرب هذا السائل السام المميت ولا تمت ، لأن عندك إيمان بألوهية يسوع ، وعندك إيمان بصدق "
فتغير وجه شوبرج ، وصار يتلعثم في القول وقال " إننا لو شربنا شيئاً ساماً لا نموت . إن هذا أمر غريب ، أنا مؤمن بالله وبالروح القدس كحقيقة ، الروح القدس يخبرنا ماذا سيحدث لنا . لقد قالت لي زوجتى منذ ثلاثين يوماً : يا استانلي كن حذراً إن شخصاً ما سيغتالك بالسم ... أنا أرى الشيطان بداخلك ( للسائل ) ، أنا لا أريد أن أقوم باستعراض ... " ثم حمل السمّ وصبه في حوض الزرع .
التعويض السريع في الدنيا :
ومن الأمور التي ذكرتها الأناجيل أيضاً ، ويكذبها واقع الناس ما جاء في مرقس أن بطرس قال للمسيح: " ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك، فأجاب يسوع وقال : أقول لكم : ليس أحد ترك بيتاً أو إخوة أو أخوات أو أباً أو أماً أو امرأة أو أولاداً أو حقولاً لأجلي ولأجل الإنجيل إلا ويأخذ مائة ضعف الآن في هذا الزمان بيوتاً وإخوة وأخوات وأمهات وأولاداً وحقولاً مع اضطهادات، وفي الدهر الآتي الحياة الأبدية " ( مرقس 10/28 - 30 ) ومثله في متى : " يأخذ مائة ضعف ويرث الحياة الأبدية "( متى 19/29 )، وانظر ( لوقا 18/28 - 30 ) وفيه: " يأخذ في هذا الزمان أضعافاً كثيرة ".
وحار المحققون في فهم كيفية هذا التعويض ، كيف يمكن للإنسان أن يصبح عنده أمهات وآباء كثر ... وإذا فهم أن الآباء والإخوة والأمهات أمور مجازية ، فكيف يفهم تعويض الحقول والزوجات ؟ ومتى رأينا ذلك لأحد أولئك الذين يهجرون أوطانهم للتبشير فيتركون أمهاتهم وأخواتهم وأموالهم ، متى أعطوا جزاء في الدنيا مائة ضعف.
والنص واضح الدلالة أنه يتحدث عن جزاء دنيوي " مع اضطهادات " " في هذا الزمان " ثم وعد بالحياة الأبدية في الآخرة .
فهذا النص من الكذب ، ولو كان حقاً لرأينا الناس سيسرعون إلى إجابة هذه الدعوة ، ولكشفت التجربة الواقعة منها عن معطيات يستبق الناس إليها ويقتتلون من أجلها.
ثالثا : أغلاط بشهادة العقل
كما توجد في الأناجيل أغلاط يشهد العقل بأنها لا تصدر عن الوحي ، لأنه أي العقل يشهد بخطئها .
نجم يتمشى في سماء أورشليم :
ذكر متى قصة المجوس الذين جاءوا للمسيح عند ولادته وسجدوا له فقال: " ولما ولد يسوع في بيت لحم في أيام هيردوس الملك إذا مجوس من المشرق قد جاءوا إلى أورشليم قائلين . أين هو المولود ملك اليهود ؟ فإننا رأينا نجمة في المشرق وأتينا لنسجد له … ذهبوا إذا النجم الذي رأوه في المشرق يتقدمهم حتى جاء ، ووقف فوق حيث كان الصبي، فلما رأوا النجم فرحوا فرحاً عظيماً جداً ..." (متى 2/1-10).
فعند عرض القصة على العقل فإنه يرفضها لأمور :
- أن متى يتحدث عن نجم يمشي ، وحركته على رغم بعده الهائل ملحوظة على الأرض تشير إلى بعض أزقة أورشليم دون بعض ، ثم إلى بيت من بيوتها، حيث يوجد المسيح ، فيتوقف وهو في السماء فكيف مشى ، وكيف دلهم على البيت ، وكيف وقف ؟!! وكيف رأوا ذلك كله ؟ أسئلة ليس لها إجابة .
- كيف عرف المجوس خبر المسيح ونجمه وهم لا يعرفون الله ؟ وكيف يسجدون لنبي وهم لا يؤمنون بدينه ؟ فهذا من الكذب بدليل أن أحد من قدماء المجوس ومؤرخيهم لم ينقل مثل هذا، وكذلك لم ينقله الإنجيليون الآخرون.
- ولماذا تحملوا عناء هذه الرحلة الطويلة لمجرد أن يسجدوا بين يديه ويقدموا له الهدايا ثم يعودون !!
- يتحدث النص عن اهتمام الوالي هيرودس بأمر المولود وأنه أضمر قتله ، وطلب من المجوس أن يخبروه إذا وجدوا الطفل ليسجد له ، ثم أُوحي للمجوس في المنام أن لا يرجعوا لهيرودس ففعلوا، فلو كان اهتمام هيرودس حقاً لقام معهم إلى بيت لحم وهي على مقربة من أورشليم ، أو لأرسل معهم خاصته.
وأما ما ذكره متى عن قتل هيرودس للأطفال بعد تواري المجوس قبل أن يقف على الطفل فهذا كذب بدليل أن أحداً من المؤرخين لم يذكره على أهمية هذا الحدث .
الركوب على الجحش والأتان معاً :
ومما يكذبه العقل ولا يتصوره ما ذكره متى عند حديثه عن دخول المسيح أورشليم فقال " وأتيا بالأتان والجحش ووضعا عليهما ثيابهما فجلس ( أي المسيح ) عليهما " ( متى 21/7 ) فجلوس المسيح على الجحش والأتان معاً لايتصوره العقل.
وهو غلط وكذب أراد متى من خلاله أن يحقق نبوءة توراتية " فكان هذا كله لكي يتم ما قيل بالنبي القائل: قولوا لابنة صهيون: هو ذا ملكك يأتيك وديعاً راكباً على أتان وجحش ابن أتان" (متى21/4-5) .
عجائب رافقت موت المصلوب :
ومثله يرفض العقل ما حكاه متى من عجائب حصلت عند موت المسيح يقول: " وأسلم الروح ، وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل ، والأرض تزلزلت ، والصخور تشققت ، وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين ، وخرجوا من القبور بعد قيامته ، ودخلوا المدينة المقدسة ، وظهروا لكثيرين " ( متى 27/51 - 54 ) .
والقصة من الغلط بل والكذب ، إذ لم يعهد مثل هذه العودة للقديسين والراقدين ، ولم يعهد أن عاد هؤلاء أو غيرهم من الموت .
ثم ماذا بعد العودة هل تزوجوا ؟ وهل عادوا لبيوتهم ؟ أم ماتوا بعدها ؟ أم .... ثم ماذا كانت ردة فعل اليهود وبيلاطس والتلاميذ أمام هذا الحدث العظيم ؟
الإجابة : لا شيء . إذ لم يذكر شيء عند متى ولا عند غيره ممن لم يذكر هذه العجائب ، ولو كانت حقاً لسارت في خبرها الركبان ، ولآمن الناس بالمسيح حينذاك ، يقول الأب كننغسر : يجب الامتناع عن الهزء (أي بمثل هذه الأخبار ) ، لأن نية متى كانت محترمة جداً ، إنه يدمج المعطيات القديمة للرواية الشفهية مع مؤلَفه ، ولكن يبقى إخراجه لائقاً بعيسى ، المسيح النجم .
وقال نورتن الملقب بحامي الإنجيل :" هذه الحكاية كاذبة ، والغالب أن أمثال هذه الحكايات كانت رائجة عند اليهود بعد ما صارت أورشليم خراباً ، فلعل أحداً كتب في حاشية النسخة العبرانية لإنجيل متى ، وأدخلها الكاتب في المتن ، وهذا المتن وقع في يد المترجم، فترجمها على حسبه".
ويعلق العلامة أبو زهرة " لعل كثيراً مما في المتن أصله في الحاشية ثم نقل خطأ في المتن " .
ومما يدل على كذب خبر متى في قيام الراقدين من الموت أن بولس وغيره يصرح بأن المسيح هو أول القائمين ، وأنه باكورة الراقدين " إن يؤلم المسيح يكن هو أول قيامة الأموات " (أعمال 26/23) ، ومثله قوله: " لكن الآن قد قام المسيح من الأموات وصار باكورة الراقدين" (كورنثوس (1) 15/20)، وقوله: " الذي هو البداءة بكر من الأموات لكي يكون هو متقدماً في كل شيء. " (كولوسي 1/18 ).
و هو ما يثبته أيضاً سفر الرؤيا " يسوع المسيح الشاهد الأمين البكر من الأموات " (1/5).
كيف اختفت هذه الأغلاط وغيرها عن أعين النصارى :
وهكذا بقيت هذه الأغلاط وغيرها حبيسة دفتي الكتاب المقدس قروناً طويلة بقي خلالها الكتاب المقدس حكراً على رجالات الكنيسة بعيداً عن أيدي العامة
ولما ظهرت الطباعة وانتشرت نسخ الكتاب المقدس في القرن السادس عشر أكد آباء الكنيسة أن شرح الأناجيل وفهم ما فيها هو من اختصاص البابا الذي يعينه في ذلك روح القدس.
بيد أن مارتن لوثر وأتباعه رفضوا هذه الخصوصية للكنيسة ، وطالبوا بأن يكون حق قراءة وفهم الكتاب المقدس لكل أحد ، فانعقد مجمع تريدنت نوتردام في 1542 - 1563م للرد على دعوة لوثر.
وكان من قراراته : " إذا كان ظاهراً من التجربة أنه إذا كان الجميع يقرؤون في الكتب باللفظ الدارج، فالشر الناتج من ذلك أكثر من الخير ، فلأجل هذا ليكن للأسقف أو القاضي في بيت التفتيش سلطان حسب تميزه بمشورة القس أو معلم الاعتراف ليأذن في قراءة الكتاب باللفظ الدارج لأولئك الذين يظنون أنهم يستفيدون ، ويجب أن يكون الكتاب مستخرجاً من معلم كاثوليكي ، والإذن المعطى بخط اليد ، وإن كان أحد بدون الإذن يتجاسر أن يتجرأ أو يأخذ هذا الكتاب فلا يسمح له بحل خطيئته حتى يرد الكتاب إلى الحاكم " .
ويبدو في قرار المجمع هروب من اكتشاف العامة لأغلاط الكتاب المقدس وما فيه من المفاسد، ويؤكد بعض المحققين أن الإلحاد شاع في أوربا بعد انتشار نسخ الكتاب المقدس واطلاع العامة على ما فيه .
وبعد : لعل المرء يتساءل ما هو رأي النصارى بأغلاط الأناجيل ؟ وهل يقرونها ؟
في الإجابة نقول : لا ريب أن أتباع الكنيسة الذين أغلقوا عقولهم في وجه الحقيقة يرفضون أن يحوي الإنجيل غلطاً، لأن روح القدس لا يغلط، ومن هؤلاء الدكتور القس شروش حيث يقول : " إنا نعلم أن الإنجيل هو وحي الله ، لأن التنبؤ بالأحداث قد تم قبل وقوع الأحداث بقرون ، إن للإنجيل تأثيره على المجتمعات البشرية طالما تم الإيمان به والعمل بمقتضاه . أكثر من ذلك فإن دقة الإنجيل قد وجدت من يتحداها ، ولكنها لم تجد من ينجح في التحدي " .
ويقول أيضاً : " إن صحة محتويات الإنجيل قد أثبتتها الوثائق التاريخية والحفريات الأثرية والوثائق القديمة ، وتوجد الآن أكثر من خمس وعشرين ألف وثيقة من الوثائق المقدسة بالمتحف البريطاني من أجلكم ، لكي تتأكدوا من صحة مشيئة الله " .
ولما كانت الحقيقة - بوجود الغلط في الأناجيل والرسائل - ساطعة كالشمس عمل بعض علماء النصرانية على التخلص من هذه الأغلاط بالإقرار بأن الإلهام لم يكن مصاحباً للإنجيليين حال كل كتابة كتبوها ، يقول هورن: " إذا قيل إن الكتب المقدسة أوحي بها من عند الله لا يراد أن كل الألفاظ والعبارات من إلهام الله ... ولا يتخيل أنهم كانوا يلهمون في كل أمر يبينونه ، وفي كل حكم كانوا يحكمون به " .
وتقول دائرة المعارف البريطانية: " وقع النزاع في أن كل قول مندرج في الكتب المقدسة هل هو إلهامي أم لا ؟ وكذا كل حال من الحالات المندرجة فيها ، فقال جيروم وكثيرون : ليس كل قول إلهامي …. الذين قالوا: إن كل قول إلهامي لا يقدرون أن يثبتوا دعواهم بسهولة ".
وهذا القول يطالب قائلوه بتعيين المواضع غير الإلهامية وإقامة الدليل على خصوصها بعدم الإلهام أو إقامة الدليل على خصوص المواضع التي يقولون بإلهاميتها ، وإذا لم يتم ذلك وجب التوقف في شأن الكتب المقدسة ، إذ فيها ما هو عمل بشري لا يجوز اعتباره مصدراً دينياً .??????التحريف في العهد الجديد
ولقد يتساءل المرء أين وقع التحريف في الأناجيل ؟ هل وقع من الإنجيليين وأصحاب الرسائل ، أم من النساخ الذين تصرفوا في النصوص حسب أهوائهم وعقائدهم ، أم من أولئك الذين أضافوا القداسة للكتب الشخصية التي خطها الحواريون ، أم من ذلك كله . ولعل الأخير هو الصواب .
أولاً : تحريف الإنجيليين : هل كان الإنجيلون أمناء في النقل عن بعضهم ؟
أصبح من المسلم به - كما أسلفنا - أن لوقا نقل ما نسبته 51% من إنجيل مرقس، بينما نقل متى ما نسبته 90% من محتويات مرقس . فهل كان متى ولوقا أمينان في تقلهما عن مرقس ؟
ولكن كلا الإثنين تصرفا برواية مرقس حسب ما تبدى لهما، وخاصة متى الذي كان يضخم دائما من رواية مرقس لتناسب غلوه بشخص المسيح أو لتحقق نبوءة توراتية لم تحققها رواية مرقس، وذلك يظهر من أمثلة كثيرة ذكرها المحققون:
1- يقول مرقس عن المصلوب " أعطوه خمراً ممزوجاً بمر " ( مرقس 27/33 ).
لكن متى نقل عن مرقس وغير فقال " أعطوه خلاً ممزوجاً بمرارة " ( متى 27/34 ) ومن المعلوم أن الخل غير الخمر.
ولقد قصد متى من هذا التغيير أن يحقق النبوءة التوراتية المزعومة " يجعلون في طعامي علقماً ، وفي عطشي يسقونني خلاً " ( مزمور 69/21 ) فأبدل كلمة الخمر التي كتبها مرقس بالخل.
2- يقول مرقس " إن من يصنع مشيئة الله هو أخي وأختي وأمي " ( مرقس 3/35 ).
وينقلها متى " إن من يصنع مشيئة أبي الذي في السماوات هو أخي وأختي وأمي " ( متى 12/50 ) فكلمة أبي وضعت لأسباب لاهوتية.
3- ومثله يقال عندما سأل المسيح تلاميذه عما يقولون فيه، فأجاب بطرس: " أنت المسيح " ( مرقس 8/29 ).
لكن متى عدل في إجابة بطرس وجعلها : " أنت هو المسيح ابن الله الحي " ( متى 16/16).
4- ومثله لما ظهر لهم المسيح مع موسى قال بطرس لسيده كما ينقل مرقس : " يا سيدي جيد أن نكون هنا " ( مرقس 9/5 ).
ولكن متى يقول: " يا رب جيد أن نكون ههنا " (متى 17/4).
5- ومن غلو متى تغييره لما جاء في مرقس عن عدم قيام المسيح بالمعجزات في الجليل حيث يقول: " ولم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة غير أنه وضع يديه على مرضى قليلين فشفاهم ، وتعجب من عدم إيمانهم " ( مرقس 6/5 - 6 ) حيث لم يصنع ولا قوة واحدة، لكنه شفى قليلين، لكن شفاء القليلين لم يكن كافياً لإيمان أولئك القساة فتعجب المسيح لعدم إيمانهم.
لكن متى عز عليه أن لا يصنع المسيح أي قوة، فقال : " ولم يصنع هناك قوات كثيرة لعدم إيمانهم " ( متى 13/58 ) إذاً هو صنع معجزات، ولكن ليس كثيراً، وبرر قلة المعجزات بعدم إيمانهم. فأصبحت سبباً لقلة المعجزات بعد أن كانت عند مرقس نتيجة لها.
6- ومثله تلاعب لوقا بما نقله عن مرقس، فقد أورد مرقس - الذي تصفه المصادر المسيحية بأنه يقدم أصدق صورة عن المسيح - أورد آخر عبارات المصلوب على الصليب ، وكانت صراخه اليائس " إلهي إلهي لماذا تركتني " ( مرقس 15/34 ) .
لكن لوقا - وكما يرى ولديورانت - لم تعجبه عبارة مرقس ، ورآها لا تتفق مع تعليم بولس عن المسيح الفادي الذي جاء ليصلب ، فأبدلها بقوله: " يا أبتاه في يديك أستودع روحي " ( لوقا 23/46 ).
7- والغلو عند متى في شخص المسيح جعله يخالف مرقس في كثير من الأحداث التي نقلها عنه ، فزاد فيها بما اعتقد أنه يرفع من قدر المسيح، من ذلك أن مرقس ذكر خبر المجنون الممسوس بالشياطين والذي شفاه المسيح وأخرج منه الشياطين وجعلها تدخل في الخنازير، فيقول: " لما خرج من السفينة للوقت استقبله من القبور إنسان به روح نجس ... فلما رأى يسوع من بعيد ركض وسجد له، وصرخ بصوت عظيم وقال: ما لي ولك يا يسوع ابن الله العلي. أستحلفك بالله أن لا تعذبني ...
وكان هناك عند الجبال قطيع كبير من الخنازير يرعى. فطلب إليه كل الشياطين قائلين: أرسلنا إلى الخنازير لندخل فيها. فأذن لهم يسوع للوقت.فخرجت الأرواح النجسة، ودخلت في الخنازير". (مرقس 5/2 - 13).
لكن متى جعل صاحب القصة مجنونان بدلًا من واحد فقال: "ولما جاء إلى العبر إلى كورة الجرجسيين استقبله مجنونان خارجان من القبور هائجان جداً، ...وإذا هما قد صرخا قائلين ما لنا ولك يا يسوع ابن الله.أجئت إلى هنا قبل الوقت لتعذبنا.
وكان بعيداً منهم قطيع خنازير كثيرة ترعى. فالشياطين طلبوا إليه قائلين: إن كنت تخرجنا فأذن لنا أن نذهب إلى قطيع الخنازير. فقال لهم: امضوا، فخرجوا ومضوا إلى قطيع الخنازير". ( متى 8/28 - 32 ) .
8- وذكر مرقس ولوقا شفاء الأعمى، يقول مرقس: " وفيما هو خارج من أريحا مع تلاميذه وجمع غفير كان بارتيماوس الأعمى ابن تيماوس جالساً على الطريق يستعطي. فلما سمع أنه يسوع الناصري ابتدأ يصرخ ويقول: يا يسوع ابن داود ارحمني. .. فأجاب يسوع وقال له ماذا تريد أن أفعل بك؟ فقال له الأعمى: يا سيدي أن أبصر. فقال له يسوع: اذهب.إيمانك قد شفاك. فللوقت أبصر وتبع يسوع في الطريق " (مرقس 10/46 - 52 ، و انظر لوقا 18/35 - 42 ).
لكن متى جعل القصة ذاتها لأعميين فقال: " فيما هم خارجون من أريحا تبعه جمع كثير. وإذا أعميان جالسان على الطريق.فلما سمعا أن يسوع مجتاز صرخا قائلين: ارحمنا يا سيد، يا ابن داود... فوقف يسوع وناداهما وقال: ماذا تريدان أن أفعل بكما؟ قالا له: يا سيد أن تنفتح أعيننا. فتحنن يسوع ولمس أعينهما، فللوقت أبصرت أعينهما، فتبعاه "( متى 20/29 - 34 ).
9- وأخبر مرقس عن قدوم المسيح لأورشليم راكباً على جحش فيقول: " أرسل اثنين من تلاميذه، وقال لهما: اذهبا إلى القرية التي أمامكما، فللوقت وأنتما داخلان إليها تجدان جحشاً مربوطاً لم يجلس عليه أحد من الناس. فحلاه وأتيا به... فأتيا بالجحش إلى يسوع وألقيا عليه ثيابهما (أي التلميذين) فجلس عليه."( مرقس 11/1 - 7 )
لكن متى بالغ في روايته لنفس الخبر ، فجعل المسيح راكباً على أتان وجحش في وقت واحد! يقول متى: " حينئذ أرسل يسوع تلميذين قائلاً لهما: اذهبا إلى القرية التي أمامكما، فللوقت تجدان أتاناً مربوطة وجحشاًَ معها، فحلاهما وأتياني بهما. ...وأتيا بالأتان والجحش ووضعا عليهما ثيابهما فجلس عليهما". ( متى 21/1 - 7 ) .
ولم يبين لنا كيف كان هذا الركوب . لكنه أراد أن يحقق نصاً توراتياً في سفر زكريا " هو ذا ملكك ، يأتي إليك وهو عادل ومنصور وديع ، وراكب على حمار وعلى جحش ابن أتان ". (زكريا 9/9 ) .
وقد صرح متى بذلك في نفس الخبر فقال:" فكان هذا كله لكي يتم ما قيل بالنبي القائل: قولوا لابنة صهيون: هوذا ملكك يأتيك وديعاً راكباً على أتان وجحش ابن أتان". (متى 21/4)
10- ومثله زيادات متى الخيالية على الأحداث التي صاحبت موت المعلق على الصليب " فصرخ يسوع أيضاً بصوت عظيم وأسلم الروح، وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل. والأرض تزلزلت، والصخور تشققت، والقبور تفتحت، وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين، وخرجوا من القبور بعد قيامته ودخلوا المدينة المقدسة، وظهروا لكثيرين" (متى 27/50 - 53)، هذا ولم يذكر لنا منى شيئاً عما فعله هؤلاء العائدون من الموت ، ولا عن ردة فعل الناس على ظهورهم وعلى تلك الأحداث العظيمة....
وهذه الأعجوبة على ضخامتها وأهميتها لم يشر إليها مرقس ، ولو كانت حقاً لما صح أن يهملها لأهميتها، كذلك لم يذكرها لوقا ولا يوحنا، فثبت أنها من وضع متى ونسج خياله .
اعترافات بالتلاعب في الأناجيل :
ويعترف مفسر إنجيل متى المفسر جون فنتون بهذا التطوير للروايات ويحاول تبريره فيقول: " لقد حدث تحوير ملحوظ في مخطوطات ( الأناجيل ) ، وذلك في المواضع التي ذكرت فيها ألقاب الرب " ( يسوع ) .
والصحيح أن التلاعب بالنص يرجع إلى كتاب الأناجيل ، وليس المخطوطات إذ أن الزيادة دائماً في متى عما في مرقس ، ولو كان الخلل في المخطوطات لما اطردت الزيادة في متى دائماً .
وقد صدق العلامة كيز مان حين قال : " إن لوقا ومتى قد قاما بتغيير نص مرقس الذي كان بحوزتهما مائة مرة عن عمد لأسباب عقائدية " .
ثانياً: تحريف الإنجيليين في نقلهم من المصادر التوراتية
ومن التحريف تحريف كتاب العهد الجديد لبعض ما نقلوه عن العهد القديم.
تحريف بولس للمزمور الأربعين :
وقع به بولس وهو ينقل عن مزامير داود ، يقول بولس: " لا يمكن أن دم ثيران وتيوس يرفع الخطايا ، لذلك عند دخوله إلى العالم ، يقول : ذبيحة وقرباناً لم تُرد ، ولكن هيأت لي جسداً ، بمحرقات وذبائح لم تسر …. " ( عبرانيين 10/4 – 6 ).
وقد نقل بولس النص عن المزامير ، وحرفه ففي المزامير " بذبيحة وتقدمه لم تسر ، أذني فتحت ، محرقة وذبيحة خطية لم تطلب …. " ( مزمور 40/6 ) فقد أبدل " أذني فتحت " بقوله: "هيأت لي جسداً ".
واعترف بوقوع التحريف في أحد النصين جامعو تفسير هنري واسكات ، ولم يعينوا الموضع المحرف منهما ، فيما اعتبر آدم كلارك ما جاء في المزمور محرفاً ، فيما اعتبره دوالي ورجر وديمنت في تفسيرهما ما جاء في رسالة بولس هو المحرف.
ذكر الناصري في التوراة :
كما وقع التحريف من الإنجيليين بنسبة أقوال إلى التوراة لم تذكرها ، منه ما جاء في متى " وأتي وسكن في مدينة يقال لها ناصرة ، لكي يتم ما قيل بالأنبياء : إنه سيدعى ناصرياً " ( متى 2/23 ) ، ولا يوجد شيء من ذلك في كتب الأنبياء .
ثالثاً: انتشار التحريف في الصدر الأول
رأينا قبل أصحاب النصوص الإنجيلية وهم يقعون في التحريف، في الصدر الأول من النصرانية، وقد كثر حينذاك المنتحلون للنبوة والزاعمون أنهم يكتبون القصة الحقيقية لعيسى عليه السلام.
ومنذ ذلك الحين صدرت الدعوات تحذر من التحريف الذي يتعرض له الإنجيل.
ومن هذه النصوص قول بولس : " إني أتعجب أنكم تنتقلون هكذا سريعاً عن الذي دعاكم بنعمة المسيح إلى إنجيل آخر ليس هو ، غير أنه يوجد قوم يزعجونكم ، ويريدون أن تحولوا إنجيل المسيح " ( غلاطية 1/6 - 7 ) فتحدث بولس عن أناس يريدون تحريف إنجيل المسيح الذي سبق الحديث عن فقده .
ويقول أيضاً: " ولكن ما أفعله سأفعله لأقطع فرصة الذين يريدون فرصة كي يوجدوا كما نحن أيضاً فيما يفخرون به ، لأن مثل هؤلاء رسل كذبة ، فعلة ماكرون مغيرون من شكلهم إلى شبه رسل المسيح " ( كورنثوس (2) 11/12 - 13 ) .
ويقول يوحنا: " أيها الأحباء لا تصدقوا كل روح ... لأن أنبياء كذبة كثيرين قد خرجوا إلى العالم " ( يوحنا (1) 4/1 ).
ويحذر يهوذا من أولئك الذين زوروا كلاماً على المسيح " إنه قد دخل خلسة أناس قد كتبوا منذ القديم لهذه الدينونة ، فجار يحولون نعمة إلهنا ... هو ذا قد جاء الرب ليضع دينونة على الجميع، ويعاقب جميع فجارهم على جميع أعمال فجورهم ... وعلى جميع الكلمات الصعبة التي تكلم بها عليه خطاة فجار ... إنه في الزمن الأخير سيكون قوم مستهزؤون سالكين بحسب شهوات فجورهم "(يهوذا 4-18).
ويحذر بطرس من التحريف المعنوي بتغيير المعاني الصحيحة ، فيقول: " كتب إليكم أخونا الحبيب بولس . أيضاً بحسب الحكمة المعطاة له ، كما في الرسائل كلها أيضاً متكلماً فيها عن هذه الأمور التي فيها أشياء عسرة الفهم ، يحرفها غير العلماء وغير الثابتين كباقي الكتب أيضاً لهلاك أنفسهم " ( بطرس (2) 3/15 - 16 ) .
وكثرة التحريف والكتب التي تدعي الحق هيج لوقا لكتابة إنجيله كما يقول في مقدمته: " إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا .... أكتب على التوالي إليك أيها العزيز ثاوفيلس لتعرف صحة الكلام الذي علمت به " ( لوقا 1/1 - 4 ) .
فلوقا رأى هذه الكتب الكثيرة محرفة فكتب ما رآه صحيحاً ، وقد بلغت هذه الكتب من الكثرة أن قاربت المائة .
ومثل هذا الاتهام للنصارى ما كان يصرخ به فاستس ( من فرقة ماني كيز في القرن الرابع ) حيث كان يقول : " أنا أنكر الأشياء التي ألحقها في العهد الجديد آباؤكم وأجدادكم بالمكر ، وعيبوا صورته الحسنة وأفضليته ، لأن هذا الأمر محقق ، إن هذا العهد الجديد ما صنفه المسيح ولا الحواريون ، بل صنفه رجل مجهول الاسم ونسبه إلى الحواريين ورفقاء الحواريين ليعتبر الناس ، وقد آذى بذلك الدين ... فقد ألف الكتب التي تمتلئ بالأغلاط والمتناقضات " .
وكان سلوس الوثني ( ق2 ) يقول : " بدل المسيحيون أناجيلهم ثلاث مرات أو أربع مرات، بل أزيد من هذا تبديلاً ، كأن مضامينها بدلت " .
استحلال آباء الكنيسة للتحريف :
ويذكر وليم ميور في كتابه " تاريخ كليسيا " ( الكنيسة ) أن أرجن وغيره أفتوا بجواز جعل الكتب الكاذبة ، ونسبتها للحواريين أو التابعين أو إلى قسيس من القسيسين المشهورين .
يؤكد المؤرخ موشيم سهولة وقوع التحريف في الصدر الأول لانتشار مقولة أفلاطون وفيثا غورث " أن الكذب والخداع لأجل أن يزداد الصدق عبادة لله ، ليس بجائزين فقط ، بل قابلان للتحسين ، وتعلم أولاً منهم يهود مصر هذه المقولة قبل المسيح .. ثم أثر وباء هذه الغلط السوء في المسيحيين كما يظهر " .